تعليم 31 يناير (كانون الثاني) 2012

 

إخوتي وأخواتي الأعزّاء،

أودّ اليوم أن أتحدّث عن صلاة يسوع في الجتسماني، أي في بستان الزيتون. إنّ سيناريو الرواية الإنجيليّة لهذه الصلاة ذو مغزى كبير. فقد انطلق يسوع إلى جبل الزيتون، بعد العشاء الأخير، وهو يصلّي مع تلاميذه. يروي الإنجيليّ مرقس: «ثمّ سبَّحوا، وخرجوا إلى جبل الزيتون» (14، 26). يُلمَّح هنا على الأرجح إلى ترنيم بعض مزامير التهليل التي يُشكر بها الله على خلاص الشعب من العبوديّة وتُطلب مساعدته لمواجهة الصعوبات والتحديّات الجديدة دومًا في الحاضر. الطريق الى الجتسماني مرصوفٌ بتعابير ليسوع تجعلنا نشعر بمصير الموت الضاغط، وتنبئ بتشتُّت التلاميذ الوشيك.

وحين وصلوا إلى جبل الزيتون، استعدّ يسوع في تلك الليلة أيضًا للصلاة الشخصيّة. ولكن هذه المرّة حدث شيء جديد: يبدو أنّه لا يريد أن يكون وحده. في كثير من المرّات، كان يسوع ينسحب بعيدًا عن الحشود وحتّى عن التلاميذ، متوقِّفًا «في أماكن مقفرة» (مرقس 1، 35) أو صاعدًا «إلى الجبل»، كما يقول القدّيس مرقس (راجع مرقس 6، 46). أمّا في الجتسماني، فقد دعا بطرس ويعقوب ويوحنّا ليكونوا قريبين منه. إنّهم التلاميذ الذين كان دعاهم ليكونوا معه على جبل التجلّي (راجع مرقس 9، 2-13). هذا القُرب من الثلاثة أثناء الصلاة في الجتسماني له مدلول كبير. ففي تلك الليلة أيضًا سوف يصلّي يسوع للآب «وحده»، لأنّ علاقته معه فريدة من نوعها كليًّا: إنّها علاقة الابن الوحيد. لا بل يمكن القول إن لا أحد، وخصوصًا في تلك الليلة، يمكنه أن يتقرّب فعلاً من الابن، الذي يتقدّم إلى الآب بصفته الفريدة على الإطلاق، والحصريّة. لكنّ يسوع، على الرغم من وصوله «وحده» إلى المكان التي سيتوقّف فيه للصلاة، يريد أن يكون هناك على الأقل ثلاثة تلاميذ غير بعيدين، في علاقة أوثق معه. إنّه تقارب مكانيّ، طلب تضامن في الوقت الذي يشعر به بدنوّ الموت، لكنّه في المقام الأوّل تقارب في الصلاة، للتعبير بشكل أو بآخر عن الانسجام معه، حينما يتهيّأ للقيام بمشيئة الآب حتّى النهاية، وهي دعوة لكلّ تلميذ لأن يتبعه في درب الصليب. يروي الإنجيليّ مرقس: «وأخذ معه بطرس ويعقوب ويوحنّا، وبدأ يرتاع ويكتئب. وقال لهم: “نفسي حزينة حتّى الموت. أُمكثوا هنا واسهروا”» (14، 33-34).

يعبِّر يسوع في الكلمة التي وجّهها إلى الثلاثة مرّة أخرى بلغة المزامير: «نفسي حزينة»، هي تعبير من المزمور 43 (راجع مزمور 43، 5). ثمّ يستدعي العزم القاسي «حتّى الموت» وضعًا عاشه رسل كثيرون لله في العهد القديم وأعربوا عنه في صلواتهم. فليس من النادر أن يكون تنفيذ المهمّة الموكلة إليهم يعني إيجاد المعاداة والرفض والاضطهاد. يشعر موسى بشكل دراميّ بالاختبار الذي يتعرّض له فيما يقود الشعب في الصحراء، ويقول لله: «لا أطيق أن أحمل هذا الشعب كلّه وحدي، لأنّه ثقيل عليَّ. والآن فإن كنتَ فاعلاً بي هكذا، فاقتلني، أسألك، اقتلني إن نلتُ حظوةً في عينيك، ولا أرى بليّتي» (سفر العدد 11، 14-15). وكذلك الأمر بالنسبة لإيليّا النبي حيث ليس من السهل متابعة خدمة الله وشعبه. يروي سفر الملوك الأوّل: «ثمّ تقدّم في البريّة مسيرة يوم، حتّى جاء وجلس تحت رَتَمَة، والتمس الموت لنفسه وقال: “حسبي الآن يا ربّ، فخُذ نفسي، فإنّي لستُ خيرًا من آبائي”» (19، 4).

تكشف كلمات يسوع للتلاميذ الثلاثة الذين كان يريدهم أن يكونوا قربه أثناء الصلاة في الجتسماني، كيف كان يشعر بالخوف والكآبة في تلك “الساعة” ويختبر الوحدة العميقة الأخيرة فيما كان مشروع الله يتحقّق بالتحديد. يُختصر في ذاك الخو
والكآبة لدى يسوع كلّ رعب الإنسان أمام موته، واليقين لعدم رحمته وإدراك ثقل الشرّ الذي يمسّ حياتنا.

بعد الدعوة للبقاء والسهر في الصلاة الذي وجّهه إلى الثلاثة، يتوجّه يسوع «لوحده» إلى الآب. يروي مرقس الإنجيليّ أنّه «ابتعد عنهم قليلاً، فأكَبَّ على الأرض، وأخذ يصلّي لكي تعبُر عنه الساعة، إن أمكن» (14، 35). سقط يسوع ووجهه صوب الأرض: إنّها وضعيّة صلاة تُعبِّر عن الطاعة لمشيئة الآب، وتسليم الذات مع الثقة الكاملة به. إنّها حركة تتكرّر في بداية كل احتفال بالآلام يوم الجمعة العظيمة، وكذلك في الاعتراف الرهبانيّ وسيامة الشمامسة والكهنة والأساقفة، للتعبير في الصلاة، جسديًّا أيضًا، على الاعتماد الكامل على الله والثقة به. ومن ثمّ يسأل يسوع الآب ما إذا كان ممكنًا أن تعبر عنه تلك الساعة. إنّه ليس فقط خوف وكآبة الإنسان أمام موته، بل هو اضطراب ابن الله الذي يرى كتلة الشرّ الرهيبة التي عليه أن يأخذها على عاتقه ليتفوّق عليه، كي يحرمه من سلطانه.

أصدقائي الأعزّاء، نحن أيضًا يجب أن نكون في الصلاة قادرين على تقديم أتعابنا أمام الله، ومعاناة بعض الحالات، بعض الأيّام، والالتزام اليوميّ في اتّباعه، وفي كوننا مسيحيّين، كذلك ثقل الشرّ الذي نراه فينا وحولنا، كي يعطينا الأمل ويجعلنا نشعر بقربه، ويعطينا بعض النور في درب الحياة.

يتابع يسوع صلاته: «أبّا، أيّها الآب! كلّ شيء ممكن لديك: فأبعِد عنّي هذه الكأس، ولكن ليس ما أُريد أنا، بل ما أنتَ تريد» (مرقس 14، 36). هناك في هذا الابتهال ثلاثة مراحل كاشفة. في البداية لدينا مضاعفة العبارة التي يتوجّه بها يسوع إلى الله: «أبّا! أيّها الآب» (مرقس 14، 36 أ). نحن نعلم جيّدًا أنّ الكلمة الآراميّة «أبّا» كان يستخدمها الطفل للتوجّه إلى أبيه وهي من ثمّ تُعبِّر عن علاقة يسوع مع الله الآب، علاقة حنان وعاطفة وثقة وتسليم الذات. نجد العنصر الثاني في الجزء الأوسط من الابتهال: وعي قدرة الآب على كلّ شيء - «كلّ شيء ممكن لديك» - وهذا يمهّد للطلب الذي تبدو فيه، ولمرّة أخرى، مأساة إرادة يسوع الإنسانيّة أمام الموت والشرّ: «فأبعِد عنّي هذه الكأس». ولكن هناك التعبير الثالث لصلاة يسوع وهو الحاسم، حيث تلتزم الإرادة الإنسانيّة تمامًا بالمشيئة الإلهيّة. فيسوع يخلص إلى القول بحزم: «ولكن ليس ما أريد أنا، بل ما أنتَ تريد» (مرقس 14، 36 ج). في وحدة الشخص الالهي للابن تجد الإرادة الإنسانيّة اكتمالها الأقصى في التسليم الكامل لِلأنا إلى أنتَ الآب ، المدعوّ أبّا. يؤكِّد القدّيس مكسيموس المُعترِف أنّ الإرادة الإنسانيّة، ومنذ خلق الرجل والمرأة، موجَّهة إلى المشيئة الإلهيّة وتكون الإرادة الإنسانيّة حرّة تمامًا بالتحديد في الـ “نعم” لله وتجد فيه تحقيقها. لقد تحوّلت هذه الـ "نعم" لله، للأسف، بسبب الخطيئة، إلى معارضة، فقد أعتقد آدم وحواء أنّ الـ “لا” لله هي ذروة الحريّة، أن يكونا نفسيهما بالكامل. يُعيد يسوع في جبل الزيتون إرادة الإنسان إلى “نعم” الله الكاملة. فيه تكون الإرادة الطبيعيّة مندمجة تمامًا في التوجّه الذي يمنحها إيّاه الشخص الالهي. عاش يسوع حياته وفقًا لجوهر شخصه: كونه ابن الله. تُجذَب إرادته الإنسانيّة داخل أنا الابن، الذي يسلِّم ذاته بالكامل إلى الآب. هكذا يقول لنا يسوع إنّه فقط في تطابق إرادته الشخصيّة مع المشيئة الإلهيّة، يصل الكائن البشريّ إلى سموّه الحقيقي، ويصبح “إلهًا”، فقط في الخروج من نفسه، فقط في الـ “نعم” لله، تتحقّق رغبة آدم وكلّ واحدٍ منّا، في أن نكون أحرارًا تمامًا. وهذا ما فعله يسوع في الجتسماني: في نقل إرادة الإنسان إلى إرادة الله يولد الإنسان الحقيقيّ، ونحن نُفتدى.

يعلِّم مختصر التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة بإيجاز: «صلاة يسوع، في غضون نزاعه في بستان الجتسماني، وكذلك بكلماته الأخيرة على الصليب، تكشف عن عمق صلاته البنويّة. ويسوع يوصل قصد محبّة الآب إلى اكتماله، ويأخذ على عاتقه جميع مضايق البشريّة، وجميع الطلبات والابتهالات في تاريخ الخلاص. فيقدّمها إلى الآب الذي يتقبّلها ويستجيب لها متجاوزًا كلّ رجاء، بإقامته من بين الأموات» (عدد 543). حقًّا «ليس هناك أي جزء آخر من الكتاب المقدّس ننظر به بعمق إلى هذا الحدّ في سرّ المسيح الداخلي كما هو الحال في الصلاة على جبل الزيتون» (يسوع الناصري، الفصل الثاني، 177).

إخوتي وأخواتي الأعزّاء، نحن نطلب كلّ يوم من الربّ في صلاة الأبانا: «لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض» (متّى 6، 10). لنعترف إذًا، أنّ هناك مشيئةً لله معنا ولنا، مشيئة الله حول حياتنا، التي يجب أن تصبح كلّ يوم بشكل متزايد المرجعيّة لإرادتنا وكينونتنا؛ لنعترف إذًا أنّه في “السماء” حيث يُعمل بمشيئة الله وبأنّ “الأرض” تصبح “سماء”، مكانًا لوجود المحبّة والخير والحقيقة والجمال الإلهي، فقط إن فعلنا فيها مشيئة الله. في صلاة يسوع إلى الآب، في تلك الليلة الرهيبة والرائعة في الجتسمانيّ، أصبحت “الأرض” “سماء”؛ لقد ارتبطت “أرض” إرادته البشريّة، التي اهتزّت من الخوف والكآبة، بمشيئته الإلهيّة، ومشيئته الإلهيّة تمَّت على الأرض. وهذا مهمٌّ أيضًا في صلاتنا: يجب علينا أن نتعلّم أن نثق أكثر بالعناية الإلهيّة، أن نسأل الله القوّة لنخرج من أنفسنا لتجديد الـ “نعم” خاصّتنا، كي نكرِّر له «لتكن مشيئتك»، لنطابق مشيئتنا بمشيئته. إنّها صلاةٌ يجب أن نقوم بها يوميًّا، لأنّه ليس من السهل دائمًا أن نسلِّم أمرنا لمشيئة الله، تكرار “نعم” يسوع، “نعم” مريم. تُظهر الروايات الإنجيليّة عن الجتسماني بشكل مؤلم أنّ التلاميذ الثلاثة، الذين اختارهم يسوع ليكونوا قربه، لم يكونوا قادرين على السهر معه، وتقاسم صلاته واتّحاده بالآب، إذ غلبهم النعاس. أصدقائي الأعزّاء، لنطلب من الربّ أن نكون قادرين على السهر معه في الصلاة، واتّباع مشيئة الله كلّ يوم حتّى وإن كانت تتحدّث عن الصليب، ونعيش بحميميّة أكبر فأكبر مع الربّ، لنحمل إلى هذه «الأرض» قليلاً من «سماء» الله. وشكرًا.

 



أرشيف