تأويل التقليد , «Oasis» العدد التاسع (2009)

ساراييفو. في المدينة الجريحة والقائمة، حوار مع الشيخ مصطفى تسيريتش، مفتي البوسنة. فمن رماد حرب التسعينات، التي لم تنطفئ بعد كليًّا، وُلِد جيلٌ جديد من المُسلمين، قادرٌ على الأخذ بالتقليد القديم العائد لهويّة حيّة وواعية وعلى مواجهة تحدّيات الساعة بفخر واعتزاز.

حاورهُ ماريا لاورا كونتي وميكيلي برينيون

«نعيش القرآن في المجتمع المُنفتح، فلتتعامل أوروبا معنا»

حاورهُ ماريا لاورا كونتي وميكيلي برينيون

ساراييفو، مدينة الأوجه المتعدّدة. تمتدّ الجوامع العثمانيّة النحيفة في المدينة القديمة نحو الأبنية الهاسبورغيّة الرائِقة، فيما تنبثقُ في الأفق العمارات ذات الطابع الاشتراكي. وآخر من وصل، الأبنية الضخمة التي رغبت بها دول الخليج والتي تنافسها فقط آلاف مصارف المؤسّسات الماليّة العالميّة. وتظهر هنا وهناك بعض آثار جراح الحرب الدمويّة التي حدثت في نهاية القرن الماضي.
إنّ مشاكل وتناقضات هذه المدينة هي، في النهاية، نفس المشاكل والتناقضات التي تقبض على مصير أوروبا: التوتاليتاريّة الإيديولوجيّة، السلام والحرب بين الثقافات والهويّات، التعايش والحوار بين الأديان، الدور العامّ للإيمان. اختارت «الواحة» أن تُناقش حول كلّ هذه الأمور شخصيّة فريدة في الإسلام الأوروبيّ. 

لقد عشتم ودرستم في البوسنة والخارج على السواء. لذلك أنتم في موقع مُميَّز للتعبير عن رأيكم في تقليد بلدكم: هل تعتقدون أنَّ لِلإسلام البوسنيّ وجهًا خاصًّا؟

قبل الإجابة على السؤال حول الاختلافات المُمكنة بين صيغ الإسلام وحول شكل الإسلام البوسنيّ أعتقد أنّه يجب التمييز بين المبادئ الإسلاميّة والنماذج الإسلاميّة. يعتمد الإسلام، كالأديان الأُخرى، على بعض المبادئ المقبولة من كلّ المُسلمين أينما وُجِدوا، إذ يجمع بين المُسلمين إيمانهم بالتوحيد، وبالقرآن كآخر تنزيل إلهيّ وبالبعث بعد الموت. هذه هي المبادئ. من ثمّ تختلف «الإسلامات» باختلاف نماذج تطبيق هذه المبادئ. فإذا ما قبلنا التمييز بين المبادئ والنماذج، يُمكننا بالتالي التحدّث عن نموذج بوسنيّ في الإسلام. المبادئ ثابثة، ولكن يمكننا، أمام المعارف الجديدة والخبرات الجديدة ومن واقع البيئة التي نعيش فيها، أن نغيّر تفسير هذه المبادئ.

 

ما هي إذًا خصائص النموذج الإسلاميّ البوسنيّ التقليدي ؟

أعتقد أنَّ لديه ثلاث مُميِّزات أساسيّة: في بادئ الأمر، تواجُدُه في مجتمع مُتعدِّد الثقافات يتعايش فيه الإسلام مع أديان أُخرى بِشكلٍ مُنسجم. الميزة الثانية هي مقاربته الفريدة لتفسيره القرآن والسنّة ترتكز إلى خبرة العلماء البوسنيّين. الميزة الثالثة تكمُن في أنَّ المسلمين يعيشون في البوسنة في مجتمع مُنفتح وهذا السلوك يُؤيّده التفسير المؤسّساتيّ للعقيدة الإسلاميّة. المهمّ هو أن يكونَ كلُّ تحدٍّ جديدٍ لتفسير المبادئ خاضعًا لِنقاش مؤسّساتيّ مُشتَرَك: فمهمّة قيادة حياة المؤمنين لا تخُصّ رأي الفَردْ بل كافّة الجماعة والمؤسّسات التي تُمثِّلها (رئيس العُلماء مثلاً). 

تناولتم في حديثكم الفرق بين مبادئ الإسلام، وهي مبادئ واحدة، وبين تطبيقاتها التي يُمكن أن تختلف. خلال الحرب السابقة وصلت إلى البوسنة جماعات من الشرق الأوسط تعترف بِـ «نماذج» أُخرى من الإسلام. هل يمكن أن يؤدّي استمرار وجودها هنا حتّى اليوم إلى «خيانة» النموذج البوسنيّ التقليدي بِشكلٍ من الأشكال؟

إنّه سؤال مشروع. كلّ تقليد يمكن تحديده بِطرقٍ مُختلفة، دون أن يكونَ أيٌّ منها جامد، كلّ تقليد ديناميّ ومُتذبذب، كحال اللغة بالضبط. تقليدنا الإسلاميّ أيضًا يتحرّك الآن، ولكن دون أن يتخلّى عن المبادئ الأساسيّة. حتّى الشيوعيّة لم تنجح في اقتلاعها، رغم طابع علمانيّتها الهجوميّ. بمقدوري أن أتفهّم قلقكُم على مستقبل المسلمين البوسنيّين، لكن النقطة الحقيقيّة هي: هل يُمكن أن تتكرّر الإبادة؟ بدل أن نُركِّز على ما سيحلّ بِتقليدنا يجب أن نقلق على حياتنا. إنّ الذين قُتِلوا في سريبرينيكا في 11 تموز/يوليو1995 كانوا نموذجًا لمسلمين بوسنيّين تقليديّين. لماذا قُتِلوا؟ لم يكونوا عرضة لأيّ تأثير خارجيّ، ولم يكن بينهم مُجاهدون... انطلاقا من هذه الخبرة بالذات تعلّم جيلٌ جديدٌ من البوسنيّين الدرسَ الآن وهم واعون إلى أنّه لا يجب الوثوق، حين يتعلّق الأمر بِالدفاع عن النفس، بالقِوى الأجنبيّة، بل بالله وبإيمانهم فقط. وكلّما اقتنعنا بِهويّتنا، كلّما صرنا مُتسامحين. تعلّمتُ هذا الدرس في البوسنة: التسامح هو علامة قوّة، وعدم التسامح هو علامة ضعف. إن كنتُ أعرف مَن أنا، لا أخافُ أحدًا، على العكس، سأكون فضوليًّا في معرفة مَن هو مُختلف عنّي. شبّان اليوم مختلفون عن شبّان ما قبل الحرب. إنّهم واعون أكثر لِجذورهم الدينيّة ولإيمانهم، وصادقون في بممارساتهم وفي الوقت نفسه هم ناضجون ما يكفي لعدم السماح لأحد من الخارج، ممّن لا يفهم تقليدهم الإسلاميّ، بالتلاعب بهم. لا تُغيِّر الخِبرة التي عشناها من كيفيّة كوننا مُسلمين في البوسنة والهرسك، بل العكس. نحن ننتمي لِلإسلام وَلأوروبا على السواء. الإسلام يُعطينا الروح وأوروبا العقليّة. هل يُمكِن أن يتعايش الاثنان؟ أنا أعتقد ذلك.

 

لقد أشرتم إلى سريبرينيكا، هل تعتقدون أنَّ المغفرة المُتبادلة مُمكنة؟

أجل، المغفرة مُمكنة، شرط أن يعترف مَن يطلبها بِأخطائه. لا يُمكننا أن نغفر لمَن لم يستغْفر. نعرف مقولة العهد القديم: «العين بالعين، والسنّ بالسنّ». هناك نفس المقولة في القرآن. لكن القرآن يضيف أنّ «مَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ» (راجع المائدة، 45). خِلال مذبحة سريبرينيكا فقدت عائلة واحدة مئتين من أعضائها: لم يحصل من جهتهم أيّ عمل انتقاميّ. هذا يعني أنّهم استوعبوا رسالة القرآن وفهموها. حين يسألني أحدهم شيئًا من هذا القبيل أُجيب بأنَّه يحقُّ له أن ينتقم، ولكنّه إذا غفر فهذا أفضل.

 

بِرأيكم، ما هو الدرس الذي يُمكن أن يتعلّمه الإسلام الأوروبيّ وأوروبا نفسها من النموذج البوسني؟

أعتقد أنّه يجب علينا أن نسأل قبل كلّ شيء ماذا تريد أوروبا. فأوروبا تواجِه ظاهرة جديدة: ظاهرة الإسلام داخِل حدودها. يشير الكثيرون إلى الجذور المسيحيّة للهويّة الأوروبيّة، ولكنّني أعتقد أنَّه يجب أن ننظر قبل كلّ شيء إلى أمر: إلى أنّ أوروبا كانت دومًا مُنفتحة على تأثيرات ثقافات مُختلفة، وأنّ المسيحيّة هي فقط من بين مظاهر هذا التطوّر. في الحقيقة، لا ديانةَ من الديانات التي انتشرت في أوروبا، بما فيها المسيحيّة، نشأت في أوروبا. بِهذا المعنى نحن كلّنا في نفس المستوى إذ لا يُعطي تقليد أوروبا المسيحيّ الأولويّة لِلمسيحيّة. الإسلام هو تحدٍّ لأوروبا كما كانت المسيحيّة في الماضي. في ما يختصّ بالمسلمين، يتمثَّل التحدّي في أنّهم وصلوا إلى أوروبا كَمُهاجرين يبحثون عن فرصٍ اقتصاديّة وليس بِنيّة الدعوة إلى الإسلام أو نَشره. ولكنّهم أصبحوا مع الوقت واعين أكثر لِهويّتهم الإسلاميّة. يتعيّن على أوروبّا أن تتعامل مع هذه الظاهرة وهي لا تعرف كيف، بدايةً لأنَّّ المسلمين ليست لهم مؤسسة تُمثِّلهم، ولكن بالأخصّ لأنَّ أوروبا، أو بِشكلٍ أدقّ، لأنّ التقليد الأوروبيّ التنويريّ، يُجبِر الناس على العيش كما لو أنّ الله ليس موجودًا. فحين بدأ المسلمون يتكلّمون عن الله وعن إيمانهم، وبدؤوا يُصلّون في الطرقات، أحسّ الأوروبيّون بصدمةٍ، ليس لأنّهم يَكْرَهون الإسلام، بل لأنّهم فقدوا إدراك ماهيّة الخِبرة الدينيّة في الحياة العامّة. أنا أعتقد أنَّ السؤال المشروع هو: ماذا يجب على أوروبّا أن تفعل لكي تُسهِّل اندماج المُسلمين في المجتمع. يجب أن يحدث الاندماج في اتّجاهين، ولو كان مسارهُ طويلاً. هل يُمكن لِلبوسنة أن تكون نموذجًا؟ لا أعلم. أستطيع فقط القول إنَّه يجب على المسلمين وأوروبّا على السواء أن يتطلّعوا إلى الخِبرة البوسنيّة كي يفهموا ما يجب التمسّك به وما يجب رفضه. لقد برهن الإسلام البوسنيّ بالطبع على أنّه يستطيع البقاء على قيد الحياة في البيئة الأوروبيّة دون أن يفقد هويّته. لسنا مُستوعَبين ولا معزولين كما كان يريد البعض؛ نحن ببساطة مندمجون في الحضارة الأوروبيّة مع شعور قويّ بالانتماء إلى الإسلام كَدين وإلى المجتمع الأوروبيّ كَمواطنين.

في «إعلان الأوروبيّين المسلمين» خاصتكم أكدّتم أنَّ «أوروبّا هي المكان الذي يستطيع فيه المسلمون أن يكتشفوا القوّة الكونيّة للإسلام وجمالها». ماذا تقصدون بالتحديد بهذه العبارة؟

مَن يعيش في دولة ذات جنسيّة واحدة من دول الشرق الأوسط لا يستطيع إلاّ أن يَعْرف نظرة واحدة عن الإسلام. ولكن مَن يصل إلى الغرب ويرى باكستانيّين وأتراكًا وعربًا وغيرهم يتردّدون إلى الجامع نفسه يزداد وعيًا بأنَّ الإسلام، لا الجنسيّة، هو الذي يجمع بين المُسلمين.

هل تعنون أيضًا بأنَّ المُسلمين في أوروبّا لديهم فرصة اكتشاف مبادئ الإسلام من جديد؟

أجل... كما وفرصة خلق نموذج جديد من نوعٍ أوروبيّ.

لقد ذكرتم آنفًا التقليد التنويريّ: يعتقد الكثيرون من المُثقَّفين المُعاصرين، ومن بينهم مُسلمين أيضًا، أنّ الإسلام في حاجة، لِلاندماج في المجتمع الأوروبيّ، إلى إصلاح وفق المبادئ التنويريّة. ما هو رأيكم بهذا الخصوص؟

الإسلام هو أصلاً أكبرُ إصلاحٍ لِلفِكر الدينيّ في تاريخ الإنسانيّة. دعاني أذكُر ثلاثة براهين لِتأكيد ما أقول: في بادئ الأمر، الإعلان الإسلامي لِمبدأ أن لا إكراهَ في الدين؛ والأمر الثاني، حماية حقوق المرأة: لا أودّ الآن الدخول في هذا النقاش، ولكنّه واقعٌ أنَّ الإسلام قد أعلن في القرن السابع، وضدّ إرادة أسياد مكّة المُتغطرسين، بأنَّ النِساء لهم الحقّ في الإرث وأنّهن خُلِقنَ كشقائق للرجال، وهذا شكَّلَ ثورةً؛ وفي النهاية، إلغاء النبيّ محمّد لمؤسسة الكهنوت، ما جعل الكلَّ مسؤولين أمام الله بالتساوي ولهم كلّهم نفس الإمكانيّة في تلقّي نعمته. بالتأكيد، يجتاز المسلمون الآن أوقات صعبة، خاصّةً في ما يختصّ بِمكانتهم في التاريخ. من يعيش في الغرب يمكنه أن يتساءل عن حقّ متى سيصبح المسلمون «مُستنيرين». لكن التاريخ يؤكِّد أنَّ الإسلام ساهم بِشكلٍ حاسم في ولادة الحركة الإنسانيّة (Humanism) والنهضة الأوروبيّة. يكفي التفكير بِأعمال الفلاسفة المسلمين الذين عاشوا في القرن الثاني عشر، كابن رُشد ومذهبه العقلاني...

ولكن أين ينعكسُ اليوم هذا الإسهام التاريخي الذي تتكلّمون عنه؟

أعتقد أنَّ المُسلمين، رغم الصعوبات الحاليّة، يطرقون اليوم باب الغرب مُذكِّرينهُ ببعض المبادئ الأخلاقيّة التي نَسِيَها، تمامًا كما طرقوا في الماضي باب أوروبا مُذكّرينها بالعقلانيّة التي تخلّت عنها. يجب على الغرب أن نختبر ثورة روحيّة. فالانهيار الاقتصاديّ الحاليّ ليس مسألة أزمة ماليّة: إنّها أزمة أخلاقيّة. أعتقد أنَّ الغرب مُذنِبٌ في سبع خطايا عظمى: رفاهيّة دون عمل، تربية دون أخلاق، تجارة دون فضائل، لذّة دون وعي، سياسة دون مبادئ، علوم دون مسؤوليّة، مجتمع دون عائلة، وأُضيف خطيئة أُخرى: إيمان دون تضحية. والآن، ما هو الحلّ؟ استبدال الـ «دون» بِـ «مع». أعتقد أنّه ليس من الممكن عزل حضارة أو إيمان ثمّ «تنويره». نحن نعيش في عالم مُعولَم، يشكّل فيه تبادل الأفكار، ومن ضمنها الأفكار التنويريّة، تحدّيًا لِلغرب ولِلعالم الإسلامي على حدّ سواء. ولكنني مُقتنع أيضًا بأنَّ المسلمين قد حافظوا، مقارنةً بالمجموعات الدينيّة الأخرى، على حسٍّ أعلى بالأخلاق، رغم أننا لسنا قادرين دومًا على تفصيله، ممّا أدّى إلى أنّ باقي العالم لا يَفهمها. 

ولكن، بصورة أدقّ، هل ترَون أنَّ المُسلمين يمكنهم تقبّل فكرة أنَّ الإيمان هو شأنٌ خاص؟

لقد تحمّلتُ هذه الفِكرة على مدى عقود. جوابي الأوّل هو أنَّ مَن لا يؤمن بالله يؤمن بِشيءٍ ما على أيّ حال. لماذا إذًا يحقّ لِمعتقداتٍ أن تُعبِّر عن نفسها في الحياة العامّة وأخرى لا؟ على أيّ حال، أيُمكن لأحد أن يَحمِل الجامِع أو الكنيسة إلى بيته؟ أتُمكن إزالة الكنائس والجوامع من الأمكنة العامّة؟ هذه إحدى مفارقات العلمنة: إجبار مَن يؤمن بالله على العيش بِازدواج شخصيّة، شخصيّة جيّدة في بيته وأخرى لِلعرض خارجه. لا يمكنني إلاّ أن أشعر بأنّي عُرضة لتحدٍّ: يجب أن تكون خُطبي وعِظاتي مقبولة في الجامع وفي الساحة العامّة على السواء. إذا كان لي وجهان، إذا قلتُ شيئًا في الجامع وشيئًا آخر خارج الجامع، سأكون مُنافقًا وقد يخلق النفاق فتنة داخليّة قبل كلّ شيء، وأحيانًا مع الآخرين. لِهذا أعتقد أنّ الأشخاص الذين يدّعون احتِكار الحياة العامّة لأنّهم فقط لا يؤمنون بالله هم على خطأ. سأكون صريحًا: إنّ السياسة أهمّ من أن تُترَك لِلسياسيّين وحدهم؛ والفقه أثمن من أن يُترَك للفقهاء وحدهم؛ ومسألة الحرب والسِلم أخطر من أن تُترَك لِلقادة العسكريّين وحدهم. نحن نعيش في عالم سقطت فيه الحواجز. وكَرجل دين يجب أن أعرف ماذا يحدث في مدينتي وفي بلدي، سواء من منظور أخلاقيّ أو سياسيّ أو اقتصاديّ. أنا جزءٌ من المجتمع، لا يجوز لكم عزلي. ويجب على مَن لا يتردّد إلى الجامع أن يعرف ماذا أقول إذ قد يكون جيّدًا أو سيّئًا لهم أيضًا.

 

تقصدون أنّه يجب علينا أن نُعيد النظر بالمِثال التنويريّ الذي حكم الحياة العامّة الأوروبيّة في القرنين الأخيرين؟

المسألة هي: هل ساعدت الحركة التنويريّة الأديان؟ بالطبع: لقد استفادت الأديان أكثر من غيرها من الانتقادات التي ساقتها الحركة التنويريّة ضدّها. هذه الانتقادات جعلتها تتنقّى من تلك العناصر التي لا علاقة لها بالوحي. ولكن يجب أن نكفّ عن اعتبار الحركة التنويريّة بمثابة كتابٍ مقدّس. علينا بالأحرى «تنوير التنويريّة»، مُعيدين إليها الأخلاقيّة التي لا تملكها الآن. بِهذا المعنى، نحن نعيش الحقبة الأكثر أهميّة في تاريخ الإنسانيّة، لأنّنا اختبرنا الفِكر الدينيّ والفكر غير الدينيّ وعلينا الآن أن نُقرِّر إذا ما كنّا نريد العودة إلى العهد مع الله أو نُفضِّل الوثوق بِأفكار بالية لفلاسفة القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لم تعُد قادرة على تقديم أجوبة على أسئلة العالم الراهن.

 

في الوقت الراهن بالذات، تطرح الاكتشافات العلميّة وتأثير التقنيّة على الحياة أسئلةً حاسمة حول مفهوم الإنسان وملامح خبرته الأساسيّة (ولادة، حبّ، موت). ما رأيكم كَمؤمن مسلم بهذا الخصوص؟

الحياة هي قبل كلّ شيء هِبة من الله. نحن لا نمتلكها. لكن الجواب على هذا السؤال ليس سهلاً. لقد سبق لي أن شاركت في مناقشة مع بعض العلماء حول إمكانيّة خلق الحياة في المختبر. فقلت لهم إنّهم لا يخلقون في الواقع شيئًا؛ بل يزعجون الخلق بتدخّلاتهم. في مصر القديمة كان فرعون يفرض على رعاياه أن يعترفوا به كإله. أعتقد أنَّه لدينا اليوم كثير من المرشّحين للعب دور الله. ولكن أعتقد أيضًا بأنَّ العلماء الذين يحاولون تقليده سيخيب ظنّهم سريعًا باكتشاف أنَّهم في الواقع يمرّون في هذا العالم مرور الكرام ولن يتبقّى منهم شيء. يجب أن نبرهن جميعًا عن تواضع وإنسانيّة ورضًى بما خَلَقَنا اللهُ عليه.

 

سؤال حاسم آخر في مجتمعاتنا يخصّ العلاقة بين الأغلبيّة والأقليّات. ليست مسألة توازن بين الثقافات والهويّات فحسب، فهي تعني التمييز بين الحقوق الأساسيّة والحقوق الأخرى.

إنّها مسألة مُعقَّدة جِدًّا. بالطبع ليس مُستحبًّا أن نكون أقليّة، تحت أيّ ظرفٍ كان وفي ظلّ أيّ قانون. تًُصبِح الحالة أسهل إذا ما تعاملنا مع أشخاص عقلانيّين يتفاهمون مع بعضهم البعض. في الأساس لا يجدر أن تكون مسألة أقليّة أو أكثريّة، بل كيف يتمّ شرح ونقل مواقف كلٍّ منهما. بالإضافة إلى ذلك، قد نشعر بالتمييز عندما لا نستطيع الحصول على ما يحصل عليه الآخرون، ولكن في الوقت نفسه نظلّ راضين عن أنفسنا. لا الغالبيّة و لا الأقليّة يُمكنها أن تحصل على كلّ شيء. ما أتمنّاه لأوروبّا هو أن نفهم جميعًا أنَّ تنوُّعنا هو امتيازٌ يجعل حياتنا مشوّقة. علينا أن نبحث عن الوحدة ونتعلّم من بعضنا البعض. نحن المسلمون لدينا الكثير لننقله لِلآخرين، ولكن لدينا أيضًا الكثير لِنأخذه. يمكن لِلآخرين أن يجعلوا حياتنا ذات معنى أكثر فأكثر.

 

في البوسنة هناك مجلس متعدّد الأديان تشاركون به بِفعاليّة: ما هي الأهداف التي أنتم بصدد التوصّل إليها من خلال هذا العمل المُشترك؟

تأَسَّسَ هذا المجلس عام 1997. وهو مؤلَّف من مُمثِّلي الجماعات الدينيّة التقليديّة الأربع الموجودة في البوسنة (المسلمون، الكاثوليك، الأرثوذكس، اليهود) وله قيمة رمزيّة قويّة. كانت نتيجته الأهمّ، على ما أعتقد، إعداد قانون جديد حولَ الحريّة الدينيّة تبنّاه فيما بعد البرلمان البوسنيّ. ولكنّه يقوم أيضًا بِنشاط هامّ آمل أن يستمرّ به في المستقبل: فهو يكتب تقريرًا سنويًّا عن وضع حقوق الإنسان في البوسنة والهرسك، تُسجَّل فيه كلّ حالات التعسّف والعنف التي تحدث ضدّ الكنائس والجوامِع والمقابر وكلّ دور العِبادة الأُخرى.

 

لقد شاركتم، كرئيس للوفد الإسلاميّ، في المؤتمر الأوّل لِلمنتدى الكاثوليكيّ الإسلاميّ الذي جرى في تشرين الثاني/نوفمبر 2008 في الفاتيكان. ماذا استنتجتم من هذه الخِبرة؟

لقد كان لقاءَ الحوار الأكثر أهميّة في حياتي. كان صريحًا جدًّا، مُنفتحًا ومُفيدًا أيضًا. كان اليومان الأوّلان صعبين: فقد تذمَّرنا، مسيحيّين ومسلمين، من عدم الفهم المُتبادل وفي بعض الأحيان كدنا ننسحب. ولكننا عدنا وفكَّرنا أنَّه لو قال مارتين لوثر كينغ «لديّ شيءٌ أتذمَّر منه»، لما استمع إليه أحد، لكنّه قال: «لديّ حلم». لِهذا قرّرنا أن نُركِّز على مُثُلِنا وقِيَمِنا المُشتركة. وفي النهاية غادرنا الفاتيكان ببيان رسميّ واضح جدًّا عبَّرنا فيه عن التزامنا بمتابعة الحوار. يجب أن أقول إنَّ البابا بيندكتس السادس عشر، بحضوره واستشهاده بالنبيّ محمّد في نهاية خطابه، أعطى برهانًا عن تواضعه وإرادته في متابعة الحوار مع المُسلمين. هناك مثلٌ إنكليزيّ يقول «اللُّطف يقتل». إذا أردت أن تكسب قلب أحدٍ كُن لطيفًا معه. ممارسة التواضع ليس هزيمة، بل انتصار.

 

أنتم تعتقدون إذًا أنَّ المسلمين والمسيحيّين يُمكنهم أن يتوصّلوا إلى اتفاق على قاعدة بعض القِيَم المشتركة...

ديانات التقليد الإبراهيميّ مُتوحِّدة في الوصايا العشر، التي تشكّل أساس العلاقة بين الله والإنسان وبين الإنسان والإنسان. أنا أعتقد بأنّه يُمكن تلخيصها بِخمس قِيَم: الحياة، الإيمان، الحريّة، الملك والكرامة. هذه هي القِيَم التي تُشكِّل أرضيّة اتفاق بين المسيحييّن والمسلمين وتسمح بِبناء الخير المُشترك.

 

لاستشهاد بهذه المقالة

Mustafa Ceric, «نعيش القرآن في المجتمع المُنفتح، فلتتعامل أوروبا معنا» , «Oasis» [أون لين], العدد التاسع | تمّوز / يوليو 2009, أون لين من 20 أغسطس 2009 تمت زيارة الموقع في 05 فبراير 2012.
URL: http://www.oasiscenter.eu/node/4197