مواطنون في نفس العالم؟ الحقيقة الأساسية، الديمقراطيات، الأديان , «Oasis» العدد الخامس (2007)

انتهاك الحقوق الأساسية شكلٌ من أشكال الحرب

His Holiness John Paul II

خطاب الأب الأقدس يوحنا بولس الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة

نيويورك، 2 تشرين الأوّل/أكتوبر 1979

 

سيادة الرئيس، 

أودّ أن أُعرب عن امتناني للجمعية العامة للأمم المتحدة، هذه الجمعية المحترمة التي يتاح لي اليوم أن أشارك فيها وأوجّه الكلمة لها. وأُعرب عن عرفان جميلي، بالدرجة الأولى، لسيادة الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، الدكتور كورت فالدهايم، الذي وجّه لي الدعوة في الخريف الماضي ـ بعد انتخابي في السدّة البطرسيّة بقليل ـ للقيام بزيارتي هذه، ثمّ جدّدها لاحقًا في أيّار/مايو الماضي أثناء لقائنا في روما. منذ البداية، تشرّفتُ بها كثيرًا وشكرتُ عليها شكرًا جزيلا. واليوم، أمام جمعية منتقاة كهذه، أودّ أن أشكركم، يا سيادة الرئيس، أنتم الذين استقبلتمونا بلطف وأعطيتمونا الكلمة.

 

إنّ الدافع الرسمي لكلمتي الحاليّة هو ـ بدون شك ـ رباط التعاون الخاص الذي يجمع الكرسيّ الرسوليّ بمنظمة الأمم المتحدة، كما يشهد على ذلك حضور البعثة الدائمة لمراقب من الكرسيّ الرسوليّ لدى هذه المنظمة. إنّ هذا الرباط الذي يقدّره الكرسيّ الرسولي تقديرا كبيرا يجد مبرّر وجوده في السيادة التي يتمتّع بها الكرسيّ الرسولي، منذ أجيال طويلة، وهي سيادة محصورة ـ في نطاق المكان ـ في دولة حاضرة الفاتيكان الصغيرة، غير أنّ ما يبرّره هي حاجةُ البابوية إلى ممارسة رسالتها بحرّيّة تامّة وإلى التعامل مع أيّ محاور محتمل لها، أكان حكومةً أم منظمة دوليّة، في استقلالية عن سيادات أخرى. طبعًا، إنّ طبيعة وأهداف الرسالة الروحيّة الخاصة بالكرسيّ الرسولي والكنيسة تجعلان مشاركتهما في مهامّ منظمة الأمم المتحدة ونشاطاتها تختلف اختلافًا شديدًا عن مشاركة الدول بصفتها جماعات بالمعنى السياسي ـ الدنيوي.

 

لا يحسب الكرسيّ الرسولي حسابًا كبيرًا لتعاونه مع منظمة الأمم المتحدة فحسب، بل أعرب دائمًا، ومنذ نشأتها، عن تقديره وتأييده للمعنى التاريخي لهذا المنتدى الأسمى في الحياة الدولية للبشرية المعاصرة. وهو لا ينفكّ أيضًا يساند وظائفها ومبادراتها الهادفة إلى التعايش السلميّ والتعاون بين الأمم. إنّ لنا أدلّة كثيرة على ذلك. ففي أكثر من 30 عامًا من وجود منظمة الأمم المتحدة، أعارتها نداءاتٌ ورسائلُ بابوية عامة ومستنداتُ الأساقفة الكاثوليك انتباهًا كبيرًا، وكذلك فعل المجمع الفاتيكاني الثاني. وكان الحبران الأعظمان يوحنّا الثالث والعشرون وبولس السادس يتطلّعان بثقة إلى هذه المؤسسة الهامّة تطلّعهما إلى علامة بليغة وواعدة من علامات أزمنتنا. وإنّ من يكلّمكم الآن قد أعرب مرارًا أيضًا ـ منذ الأشهر الأولى من حبريّته ـ عن نفس الثقة والاقتناع اللذين كان سلفاه يبديانهما.

 

إنّ ثقة الكرسي الرسولي هذه واقتناعه هذا ـ كما قلت ـ لا ينبعان من مبرّرات سياسية صرف، بل من الطبيعة الدينية ـ الأخلاقية عينها لرسالة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. فهذه، بصفتها جماعة جامعة تضمّ مؤمنين ينتمون تقريبًا إلى جميع البلدان والقارّات والأمم والشعوب والأعراق واللغات والثقافات، يهمّها وجود ونشاط المنظّمة التي تجمع وتضمّ أممًا ودولاً كما نستنتج من تسميتها. إنّها تجمع وتضمّ، ولا تقسم وتضع في مواجهة: إنّها تبحث عن سبل التوفيق والتعاون السلمي ساعيةً بالوسائل المتاحة والأساليب الممكنة إلى إبعاد الحرب والانقسام والدمار المتبادل في هذه العائلة الكبيرة، أعني البشرية المعاصرة.

 

هذا هو الواقع الحقيقيّ والدافع الجوهريّ لحضوري بينكم، وأودّ أن أُعرب عن عرفان الجميل لجمعيةٍ بارزة كهذه، كونها قد أخذت بعين الاعتبار هذا الدافع الذي قد يجعل ـ بطريقة ما ـ حضوري بينكم مفيدًا. طبعًا، هنالك معنًى بارز أن يوجد اليوم ممثّل الكرسي الرسولي والكنيسة الكاثوليكية أيضًا بين ممثلي الدول التي تجد مبرّر وجودها في سيادة السلطات المرتبطة بالأراضي والسكّان. هذه الكنيسة هي كنيسة يسوع المسيح الذي أَعلن، أمام محكمة الحاكم الروماني بيلاطس، أنّه ملك، لكن مملكته ليست من هذا العالم (راجع يوحنّا 18، 36 ـ 37). ثمّ، حين سُئل عن مبرّر وجود ملكوته بين البشر شرح :»لهذا أنا وُلدت ولهذا جئت إلى العالم، لكي أشهد للحقيقة» (يوحنّا 18، 37). بوجودي، إذن، أمام ممثّلي الدول، لا أودّ أن أشكر وحسب، بل أُعرب عن تهانيّ، بخاصّة، لأنّ الدعوة إلى إعطاء البابا الكلمة في جمعيّتكم تُثبت أنّ منظّمة الأمم المتّحدة تقبل وتحترم البعد الديني ـ الأخلاقي لتلك المشاكل البشريّة التي تهتمّ الكنيسة بها نظرًا إلى رسالة الحقيقة والمحبّة الواجب أن تحملها إلى العالم. طبعًا، من الجوهري، بشأن المسائل موضع وظائفكم واهتماماتكم ـ التي تشهد عليها المجموعة الواسعة والعضويّة للمؤسسات والنشاطات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة أو المتعاونة معها، لا سيّما في قطاعات الثقافة والصحة والتغذية والعمل وفي الاستعمال السلمي للطاقة النووية ـ من الجوهري أن نلتقي باسم الإنسان بكلّيته، في تمام وتعدّد أشكال وجوده الروحي والمادّي، كما عبّرتُ في رسالتي العامّة «فادي الإنسان»، وهي الرسالة العامّة الأولى في حبريّتي.

 

في هذه اللحظة، وإذ أغتنم الفرصة المهيبة للقائي مع ممثلي أمم الكرة الأرضية، أودّ أن أوجّه تحيّة، بخاصّةٍ، إلى جميع الرجال والنساء العائشين على أرضنا، إلى كلّ رجل وكلّ امرأة دون أيّ استثناء. وفي الواقع، إنّ كلّ كائن بشري يسكن كرتنا الأرضيّة هو عضو في مجتمع مدنيّ وفي أمّة، وكثيرٌ منها ممثّل هنا. إنّ كلاًّ منكم، أيّها السيّدات والسادة المحترمون، يمثّل دولةً: نظامًا وبنية سياسية، ولكنّه يمثّل، بخاصة، وحدة بشريّة معيّنة. أنتم جميعًا ممثّلو البشر، وبالفعل، أنتم ممثّلو جميع أبناء الكرة الأرضيّة تقريبًا: بشر ملموسين، جماعاتٍ وشعوبًا، يعيشون المرحلة الحالية من تاريخهم، وهم، في آنٍ واحدٍ، مندمجون في تاريخ البشريّة جمعاء، بذاتيّتهم وكرامتهم كبشر، بثقافاتهم وخبراتهم وتطلّعاتهم وتوتّراتهم وآلامهم الخاصّة وآمالهم الشرعيّة. في هذه العلاقة يجد سببَ وجوده كلُّ النشاط السياسي، الوطني والدولي، هذا النشاط ينبع ـ في نهاية المطاف ـ من «الإنسان»، ويُمارَس «بواسطة الإنسان» وهو «من أجل الإنسان». فإذا ما انفصل هذا النشاط عن هذه العلاقة والغاية الأساسية، وإذا ما أصبح، بطريقةٍ ما، غايةً بحدّ ذاته، فإنّه يفقد جزءًا كبيرًا من مبرّر وجوده، لا بل، أكثر من ذلك، قد يصبح مصدر انحراف؛ قد يصبح غريبًا عن الإنسان؛ قد يقع في تناقض مع البشريّة عينها. في الحقيقة، إنّ مبرّر وجود كلّ سياسة هو خدمة الإنسان وهو الالتزام، المليء بالاهتمام والمسؤولية، بالمشاكل والواجبات الأساسيّة لوجوده الأرضيّ، في بعده ومداه الاجتماعيين اللذين يتعلّق بهما معًا أيضًا خير كلّ شخص.

أعتذر، أيّها السيّدات والسادة الكرام، أنّني أكلّمكم عن مسائل هي بالتأكيد بيّنة لكم. ولكن لا يبدو الكلام عنها غير مفيد، لأنّ ما يعتدي، في أغلب الأحيان، على النشاطات البشريّة، هو احتمال أن تُنسى، عند القيام بها، الحقائق الأكثر جلاءً والمبادئ الأكثر بديهيّة.

لِيُسمح لي أن أتمنّى لمنظّمة الأمم المتحدة، نظرًا إلى طابعها العالمي، أن تظلَّ دائمًا ذلك «المنتدى»، والمنبر الرفيع، الذي تُقيَّم منه، بروح الحقيقة والعدالة، جميع مشاكل الإنسان. فباسم هذا الوحي، وبفضل هذا الحافز التاريخي، وُقّع ـ بتاريخ 26 حزيران/يونيو 1945، قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية الرهيبة ـ ميثاقُ الأمم المتحدة ونشأت ـ في 24 تشرين الأوّل/أكتوبر اللاحق ـ منظّمتكم. وبعد ذلك بقليل، جاء مستندها الأساسي الذي كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (10 كانون الأوّل/ديسمبر 1948)، لحقوق الإنسان كفردٍ ملموس والإنسان في قيمته الشاملة. إنّ هذا المستند مَعْلَمٌ على طريق الجنس البشري الطويل والشاقّ. لا يجب قياس تقدّم البشريّة بتقدّم العلم والتقنية وحسب، هذا التقدّم الذي يبرز منه كلّ تَميُّز الإنسان عن الطبيعة، بل يجب قياسه أيضًا ـ وفي آنٍ معًا، وبشكلٍ أكبر ـ بأوّليّة القيم الروحية وبتقدّم الحياة الأخلاقيّة.

في هذا الحقل بالذات، تظهر سلطة العقل التامة من خلال الحقيقة في تصرّفات الشخص والمجتمع، وتظهر السلطة على الطبيعة أيضًا وينتصر الضمير البشري بصمتٍ بحسب المثل القديم «Genus humanum arte et ratione vivit» (يعيش الجنس البشري بفضل الحرفة والعقل). وبالضبط، حين كانت التقنية، في تقدّمها الأحادي الجانب، تُوجَّه لأغراض حربيّة وأغراض هيمنة وفتوحات، لكي يقتل الإنسانُ الإنسانَ ولكي تقتل أُمّةٌ أُمّةً أُخرى حارمةً إيّاها من الحرّيّة أو الحقّ في الوجود، ـ ولا تزال ماثلةً أمام عينيّ دائمًا صورةُ الحرب العالمية الثانية التي بدأت قبل أربعين عامًا، في الأوّل من أيلول/سبتمبر 1939، باجتياح بولندا، والتي انتهت في 9 أيّار/مايو 1945 ـ، آنذاك بالضبط، نشأت منظّمة الأمم المتحدة. وبعد ذاك بثلاث سنوات، وُلد المستند الذي ـ كما قلت ـ يجب اعتباره مَعلَمًا حقيقيًّا على طريق تقدّم البشريّة الأخلاقي: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فقد أدركت حكومات العالم ودوله أنّه يجب عليها أن تتّحد إذا شاءت ألاّ يعتدي بعضها على بعض وألاّ يدمّر بعضها بعضًا. والطريق الحقيقية، الطريق الأساسية التي تقودنا إلى هنا، تمرّ عبر كلّ إنسان، عبر تحديد حقوق الإنسان والشعوب المقدسة وعبر الاعتراف بها واحترامها.

 

اليوم، وبعد مضيّ 40 عامًا على اندلاع الحرب العالمية الثانية، أودّ أن أَرجع إلى مجموعة خبرات البشر والأمم، التي عاشها جيل لا يزال قسم كبير منه حيًّا. ولزمنٍ غير بعيد، تسنّى لي أن أعود وأتأمّل في بعض تلك الخبرات في أحد الأماكن الأكثر ألمًا وطفحًا باحتقار الإنسان وحقوقه الأساسية: معتقل أوشفيتز للإبادة، الذي زرته أثناء حجّي إلى بولندا، في شهر حزيران/يونيو الماضي. هذا المكان المعروف معرفةً حزينة ليس، وللأسف، إلا أحد معتقلات الإبادة العديدة المنتشرة في القارّة الأوروبيّة. وإنّ ذكر معتقل إبادة واحد فقط يجب أن يشكّل علامة تنبيه على طرقات البشرية المعاصرة لإزالة كلّ نوع من أنواع المعتقلات في أيّ مكان من الأرض، مرّةً واحدةً وإلى الأبد. يجب أن يزول إلى الأبد من حياة الأمم والدول كلُّ ما يمتّ بصلة إلى تلك التجارب الرهيبة، أي كل ما يشكّل متابعة لها ـ وبأشكال مختلفة أيضًا، أي أيّ نوع من أنواع التعذيب والقمع الجسدي والمادّي، يُمارَس بأيّة طريقة وفي أيّة أرض ـ، وهي ظاهرة أكثر ألمًا تتمّ بحجّة «الأمن» الداخلي وبضرورة الحفاظ على سلام ظاهري.

 

سيسامحني الحاضرون المحترمون على هذا التذكير، غير أنّني قد أخون تاريخ عصرنا، وقد لا أكون نزيهًا حيال قضيّة الإنسان الكبيرة التي نرغب جميعنا في خدمتها، إذا سكتُّ ـ وأنا آتٍ من ذاك البلد الذي بُني على جسده الحيّ معتقل أوشفيتز لزمن مضى ـ. مع ذلك، أنا أذكّر بذلك، أيّها السيّدات والسادة المحترمون الأعزاء، وبخاصّة، لكي أبيّن من أيّة تجارب وآلام عاناها ملايين الأشخاص نشأ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هذا الإعلان الذي وُضع كإلهام أساسي وكحجر زاوية لمنظّمة الأمم المتحدة. لقد كَلّف هذا الإعلانُ حياة ملايين من إخوتنا وأخواتنا دفعوا ثمنه بألمهم وتضحيتهم اللذين أحدثتْهما الهمجيّة التي كانت قد أصمّت وأعمت ضمائر مضطهديهم البشريّة والمسؤولين عن إبادة جماعيّة حقّة.

لا يمكن أن يكون هذا الثمن قد دُفع عبثًا! إنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ـ مع كلّ مجموعة الإعلانات والمعاهدات المتعلقة بنواحي بالغة الأهمّيّة من حقوق الإنسان، لصالح الطفولة والمرأة والمساواة بين الأعراق، وبخاصة، المعاهدتين الدوليتين عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعن الحقوق المدنية والسياسية ـ يجب أن يبقى في منظّمة الأمم المتحدة القيمة الأساسية الماثلة أمام ضمير أعضائها والتي يستمدّ منها إلهامه الدائم. إذا ما نُسيت أو أُهملت الحقائق والمبادئ التي يتضمّنها هذا المستند ، فاقدةً البداهة الحقيقية التي كانت تسطع منها أثناء ولادتها الأليمة، فإنّ هدف الأمم المتحدة قد يجد نفسَه عندئذٍ أمام خطر خراب جديد. وقد يحصل ذلك إذا ما طغت بحزمٍ على بلاغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان البسيطة والقويّة معًا مصلحةٌ توصف بغير حقّ بأنّها «سياسيّة»، لكنّها لا تعني، في غالب الأحيان، سوى كسب ومنفعة أحاديّة الجانب على حساب آخرين أو تعني إرادة قوّة لا تحسب حسابًا لمقتضيات الآخرين: أي كل ما هو بطبيعته منافٍ لروح الإعلان. إنّ «المصلحة السياسية»، بهذا المفهوم، واعذروني أيّها السادة، تجلب عارًا على الرسالة النبيلة والشاقّة التي تنفرد بها رسالة خدمتكم لخير أممكم وخير البشرية جمعاء.

 

قبل 14 عامًا، كان سلفي العظيم البابا بولس السادس يتكلّم من على هذا المنبر. وقد تلفّظ آنذاك ببضع كلمات لا تُنَّسى أودّ أن أردّدها اليوم: «لا حربَ بعد اليوم، لا حربَ! لا بعضَ ضدّ البعض الآخر بعد اليوم»، ولا «واحدَ فوق الآخر»، بل دائمًا وفي كل مناسبة، «الواحد مع الآخر».

لقد كان بولس السادس خادمًا لا يكلّ لقضيّة السلام. وأنا أيضًا أودّ أن أتبعه بكلّ قواي وأواصل هذه الخدمة. إنّ الكنيسة الكاثوليكية، في جميع أنحاء الأرض، تعلن رسالة سلام وتصلّي من أجل السلام، وتربّي الإنسان على السلام. وهذا الهدف يتقاسمه ويلتزم به أيضًا ممثّلو وأبناء كنائس وطوائف أخرى وديانات أخرى في العالم. وهذا العمل، إذا ما ضُمّ إلى جهود جميع الناس ذوي الإرادة الصالحة، فإنّه يؤتي ثمارًا، بالتأكيد. مع ذلك، تقلقنا دائمًا الصراعات الحربيّة التي تندلع بين الحين والآخر. كم نشكر الربّ عندما يُفلَح، بتدخّل مباشر، في تحاشي أحدها، كالتوتّر الذي كان يهدّد في العام الماضي الأرجنتين وتشيلي. كم أتمنّى أن يمكن الاقتراب من حلّ فيما يخصّ أزمات الشرق الأوسط أيضًا. وفيما أنا مستعدّ لتقدير كل خطوة أو محاولة ملموسة يقام بها من أجل تسوية النزاع، أذكّر بأنّها قد تكون دون قيمة ما لم تمثّل حقًّا «حجر الزاوية» لسلام عام وشامل في المنطقة. سلامٌ ـ إذ لا يمكنه إلاّ أن يقومَ على الاعتراف العادل بحقوق جميع الأطراف ـ لا يمكنه ألاّ يتضمّن اعتبارًا للمشكلة الفلسطينية وحلا عادلا لها. فبهذه المشكلة ترتبط أيضًا مشكلة طمأنينة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه بالصيغة التي جعلت من لبنان مثال تعايش سلمي ومثمر متبادل بين طوائف مختلفة أتمنّى أن يصان لما فيه من مصلحة مشتركة، حتّى مع التكييفات التي تتطلبها تطوّرات الوضع. وإنّني أتمنّى أيضًا نظامًا أساسيًّا خاصًّا يضمن بضمانات دوليّة ـ كما أشار سلفي بولس السادس ـ احترام طبيعة القدس الخاصة، هذا التراث المقدّس بالنسبة إلى إيمان ملايين المؤمنين من الديانات التوحيدية الكبيرة الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام.

ولا تقلقنا بدرجة أقلّ الأنباءُ عن تطوّر الأسلحة التي تتجاوز وسائل وأبعاد صراع وتدمير لم تُعرف قبل اليوم. وهنا أيضًا، نشجّع القرارات والاتّفاقيّات التي تميل إلى كبح سباق التسلّح. مع ذلك، إنّ خطر التدمير والخطر الناشئ حتّى من قبول بضع معلومات «مطمئنة» يهدّدان حياة البشريّة المعاصرة تهديدًا خطيرًا. ومقاومة مقترحات عمليّة وفعليّة بشأن نزعٍ للسلاح ـ كالمقترحات التي طالبَت بها هذه الجمعية في العام الماضي في جلسة خاصة ـ تشهد أيضًا على أنّه ـ بإرادة السلام المعلنة من قبل الجميع والمنشودة من قبل الأكثرية ـ يتواجد نقيضها، ربّما الخفيّ والفرضيّ ولكن الفعليّ، ونفيها. إن الاستعدادات المتواصلة للحرب، والتي يثبتها إنتاج أسلحة أكثر عددًا يومًا بعد يوم وأكثر قوّة وتطوّرًا في بلدان مختلفة، تشهد على إرادة التأهّب للحرب؛ والاستعداد للحرب يعني القدرة على إحداثها ويعني أيضًا التعرّض لإمكانيّة قيام أحدٍ ما ـ في فترةٍ ما، وفي ناحيةٍ ما، وبطريقةٍ ما ـ بتحريك آليّة التدمير العام الرهيبة.

 

ولذا، فإنّه من الضروري بذل جهد متواصل لا بل أقوى يميل إلى القضاء على الاستفزازات على الحرب ويميل إلى جعل الكوارث مستحيلة، وذلك بالتأثير على مواقف الحكومات والشعوب وعلى قناعاتها ونواياها بالذات وتطلّعاتها. إنّ هذه المهمّة، الحاضرة دائمًا في منظّمة الأمم المتحدة وفي كل مؤسّسة من مؤسّساتها، لا يسعها ألاّ تكون مهمّة كلّ مجتمع وكل نظام وكل حكومة. وهذه المهمّة بحاجة، بالتأكيد، إلى كل مبادرة يكون هدفها التعاون الدولي في تعزيز «الإنماء». كما قال بولس السادس في خاتمة رسالته العامة «في ترقّي الشعوب»: «إذا كان الإنماء هو الاسم الجديد للسلام، فمن تراه لا يودّ أن يشارك فيه بكلّ قواه؟».

مع ذلك، إنّ هذه المهمّة بحاجة أيضًا إلى تأمّل ونشاط متواصلين يرميان إلى كشف جذور البغض والدمار واحتقار كل ما يولّد تجربة الحرب لا في قلب الأمم وحسب بل، وبمقدارٍ أكبر، في العزم الداخلي للأنظمة المسؤولة عن تاريخ جميع المجتمعات بأسرها. في هذا العمل الجبّار ـ العمل الحقّ لبناء مستقبل كرتنا الأرضيّة السلميّ ـ لمنظّمة الأمم المتحدة دون شك مهمّةٌ أساسيّة وتوجيهيّة لا يسعها ألاّ تَستلهم من أجلها المثلَ الصحيحة التي يتضمنّها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فقد أصاب هذا الإعلان، بالفعل، جذور الحرب المتعدّدة والعميقة، طالما أنّ روح الحرب، بمعناه البدائيّ والأساسي، ينشأ وينضج حيثما تُنتهك حقوق الإنسان المقدّسة.

هذا وجه جديد، حاليّ جدًّا وأعمق وأكثر تجذّرًا، لقضيّة السلام. إنّه مشهد يرى تكوّنَ الحرب، وبمعنًى ما، جوهرَها في أكثر الأشكال تعقيدًا، هذه الأشكال النابعة من الظلم، المعتبر بمختلف نواحيه، والذي يمسّ أوّلاً حقوق الإنسان، ويعكّر بالتالي صفو الأمن وينعكس لاحقًا على نظام العلاقات الدولية بكامله. إنّ رسالة البابا يوحنّا الثالث والعشرين العامّة «السلام على الأرض» توجز في فكر الكنيسة الرأي الأقرب إلى الأسس المثاليّة لمنظّمة الأمم المتحدة. فيجب، في آنٍ معًا، الاعتماد على هذا الرأي والتقيّد به بثبات وصدق، من أجل إقامة «السلام الحقيقيّ على الأرض».

 

بتطبيقنا هذا المقياس، يجب علينا، بسرعة وعناية، أن نرى أيّة تطوّرات أساسيّة مرتبطة بحقوق الإنسان المقدّسة يمكنها أن تزعزع بناء هذا السلام، الذي نرغب فيه جميعنا بحرارة والذي هو أيضًا الغاية الجوهريّة لجهود منظّمة الأمم المتحدة. ليس هذا بالأمر السهل، لكنّه لازم. في القيام بهذا العمل، يجب على كل واحد أن يضع نفسه في موقف موضوعي كلّيًّا، وأن ينقاد إلى الإخلاص والاستعداد للاعتراف بمزاعمه أو أخطائه، لا بل إلى الاستعداد للتخلّي عن المصالح الخاصّة حتّى السياسيّة منها. وفي الواقع، إنّ السلام هو خير أكبر وأهمّ من أيّ مصلحة. فبالتضحية بهذه المصالح من أجل قضيّة السلام، إنّما نخدمها خدمة أصحّ. لمصلحة مَن السياسيّة «يمكن أن تحدث حربٌ جديدةٌ بعد اليوم؟». يجب أن ينطلق كل تحليل بالضرورة من نفس المنطلقات: أي أنّ كلّ كائن بشريّ يملك كرامة لن يمكن أبدًا التقليل منها أو إهانتها أو تدميرها ـ حتّى وإن وُجد الشخص دائمًا في إطار تاريخي واجتماعي ملموس ـ ، بل بالعكس، يجب احترامها وحمايتها، إذا ما شئنا أن نبني بالفعل السلام.

 

إنّ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان والأدوات القانونيّة سواء على الصعيد الدولي أم على الصعيد الوطني، بحسب حركةٍ لا يمكن تمنّيها إلاّ تدريجيّة ومتواصلة، يسعيان إلى خلق وعيٍ عام لكرامة الإنسان، و أقلّه إلى التعريف ببعض حقوق الإنسان المقدّسة. فليُسمح لي أن أعدّد بعضًا من أهمّها والمعترف بها عالميًّا: حقّ الشخص في الحياة والحرّيّة والأمن؛ الحقّ في الغذاء واللباس والسكن والصحّة والراحة والتسلية؛ الحقّ في حريّة التعبير والتربية والثقافة؛ الحقّ في حرّيّة الفكر والضمير والدين؛ الحقّ في الجهر بالدين الشخصي، فرديًّا أو جماعيًّا، سواء على حدة أم علانية؛ الحقّ في اختيار حالة الحياة الذاتية، وفي تأسيس عائلة، وفي التمتّع بجميع الشروط اللازمة للحياة العائلية؛ الحقّ في الملكية والعمل، بشروط عمل منصفة، الحق في أجر عادل؛ الحقّ في التجمّع والانضمام؛ الحق في حريّة التنقّل والهجرة الداخلية والخارجية؛ الحقّ في الجنسية والإقامة؛ الحقّ في المشاركة السياسية والحقّ في الاختيار الحرّ للنظام أو النهج السياسي للشعب الذي يُنتمى إليه. إنّ مجموعة حقوق الإنسان تطابق جوهر كرامة الكائن البشري، المفهوم بكلّيته، وليس بشكلٍ محدود في بُعدٍ واحد؛ إنّ هذه الحقوق تتعلق بتلبية احتياجات الإنسان الأساسيّة وبممارسة حرياته وبعلاقاته مع أشخاص آخرين؛ ولكنّها تتعلّق دائمًا وفي كل مكان بالإنسان وببُعده الإنساني التام.

 

يعيش المرء في آن واحد في عالم القيم المادّيّة وعالم القيم الروحية. وبالنسبة إلى الإنسان الإنسان الذي يحيا ويأمل، لا تطابق الاحتياجاتُ والحريات والعلاقات مع الآخرين أبدًا فلكَ القيم الأوّل أو الثاني فحسب، بل تخصّ الفلكين معًا. من الشرعيّ اعتبار الخيرات المادّيّة والخيرات الروحية بشكلٍ منفصل، ولكن ـ لكي نفهم أنّها غير قابلة للانفصال في الإنسان الإنسان، ولكي نرى أيضًا أنّ كلّ تهديد لحقوق الإنسان ـ سواء في نطاق الخيرات الماديّة أم في نطاق الخيرات الروحية ـ خطير أيضًا على السلام طالما أنه يتعلق دائمًا بالإنسان بكليّته.

ليسمح لي محاوريّ المحترمون أن أذكّر بقاعدة ثابتة في تاريخ الإنسان، تضمنها سابقًا كلُّ ما ذُكر بصدد حقوق الإنسان ونموّه الشامل. تقوم هذه القاعدة على العلاقة بين القيم الروحية والقيم الماديّة أو الاقتصادية. وفي هذه العلاقة، تعود الأوّليّة إلى القيم الروحية نظرًا إلى الطبيعة ذاتها لهذه القيم كما أيضًا نظرًا إلى أسباب تتعلّق بخير الإنسان. إنّ أوّليّة قيم الروح تُعرِّف معنى وطريقة استخدام الخيرات الزمنيّة والماديّة، وتوجد ـ لهذا السبب عينه ـ في أساس السلام الصحيح. هذه الأوّلية للقيم الروحية تؤثّر، من جهة ثانية، في جعل الإنماء المادي والتقني والحضاري مفيدًا لما يكوّن الإنسان ولما يجعل ممكنًا الوصولَ التام إلى الحقيقة والنموّ الأخلاقي والإمكانية الكلّية للتمتع بخيرات الثقافة التي نحن ورثة لها، وإلى تكثيرها بواسطة قدرتنا الخلاّقة. من السهل إذن ملاحظة كيف أنّ الخيرات المادية لها قدرة ـ محدودة بالتأكيد ـ على تلبية احتياجات الإنسان؛ فلا يمكن توزيعها بسهولة بحدّ ذاتها، وفي ذلك سبب توتّرات وخلافات وانقسامات يمكن أن تصل إلى الصراع المفتوح في غالب الأحيان بين من يملكها ويتمتّع بها وبين من هو محروم منها. أمّا الخيرات الروحية فيمكن أم يتمتّع بها، بعكس ذلك في آن واحد، كثيرون، دون حدود ودون أي انتقاص للخير نفسه. لا بل، بقدر ما يكون عددُ الناس المشاركين في خير أكبرَ بقدر ما يتمّ التمتّع بهذا الخير والوصول إليه، وبقدر ما يبيّن ذلك الخير قيمته الدائمة الخالدة. إنّه واقع تؤكّده مثلاً أعمال الطاقة الخلاّقة، أي أعمال الفكر والشعر والموسيقى والفنون التشكيلية، التي هي ثمار فكر الإنسان.

 

إنّ تحليلاً انتقاديًّا لحضارتنا المعاصرة يبيّن أنّها قد أسهمت ـ أكثر من أيّ زمن مضى ـ في تنمية الخيرات المادية، لكنّها أيضًا قد ولّدت، نظريًّا وأكثر منه فكريًّا، مجموعة مواقف انخفض فيها، بمقدارٍ ملحوظٍ إلى حدٍّ ما، الشعورُ بالبُعد الروحي للوجود البشري، بسبب وضع منطلقات ارتبط فيها معنى الحياة البشرية بشكل سائد بالتقييدات المادية والاقتصادية، أي بمقتضيات الإنتاج والسوق والاستهلاك وتراكم الثروات أو البيرقرَطة التي يُسعىبهاإلى تنظيم العمليات المطابقة. أوليس هذا نتيجةً لكون الإنسان قد أُتبع لمفهومٍ واحدٍ وفلكِ قيمٍ واحدٍ؟

 

أيّة صلة لاعتبارنا هذا بقضيّة السلام والحرب؟ كما قلنا سابقًا، بما أنّ الخيرات المادية، نظرًا إلى طبيعتها بالذات، هي أصل تقييدات وانقسامات، فإنّ الكفاح من أجل تحصيلها يصبح أمرًا لا بدّ منه في تاريخ الإنسان. فباهتمامنا بهذه التبعية البشرية الأحاديّة الجانب للخيرات المادية وحدها، لن نكون قادرين على تخطّي حالة الضرورة هذه. يمكننا أن نخفّف من هذه الحالة أو أن نتحاشاها في الحالة الخاصّة، لكنّنا لن ننجح في إزالتها بطريقة منتظمة وجذرية إذا لم نُبرِز ونكرّم بشكل أوسع، في نظر كل إنسان وعلى مرأى من جميع المجتمعات، البعدَ الثاني للخيرات: البُعد الذي لا يقسم البشر، بل يجعلهم على اتّصال فيما بينهم، ويضمّهم ويجمعهم.

إنّي أعتبر أنّ ديباجة ميثاق الأمم المتحدة الشهيرة التي تعلِن فيها شعوب الأمم المتحدة «العازمة على إنقاذ الأجيال المقبلة من آفة الحرب» من جديد رسميًّا «الإيمانَ بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الشخص البشري وقيمته وبالمساواة في حقوق الرجال والنساء والأمم كبيرة وصغيرة» تودّ أن تُبيّن هذا البُعد.

وفي الواقع، لا يمكن مكافحة بذور الحرب بطريقة سطحية «منتظمة» فقط، بل يجب القيام بذلك بطريقة جذرية، بالعودة إلى أسبابها. إذا كنتُ قد سمحت لنفسي بلفت الانتباه إلى بُعد الخيرات الروحية، فقد قمتُ بذلك اهتمامًا منّي بقضية السلام، الذي يُبنى باتحاد البشر حول ما هو إنساني بحدٍّ أقصى وأعمق وحول ما يَرفع الكائنات البشرية فوق العالم المحيط بها ويقرِّر عظمتَها الدائمة: الدائمة على الرغم من الموت الخاضع له كل فرد على هذه الأرض. أودّ أن أُضيف أنّ الكنيسة الكاثوليكية، وأشعر أنّ بإمكاني القول أنّ المسيحية كلّها، تريان مهمّتهما الخاصة في هذا الحقل بالضبط. إنّ المجمع الفاتيكاني الثاني قد ساعد على الإقرار بأن الإيمان المسيحي له هذا التطلع بالاشتراك مع مختلف الأديان غير المسيحية. ولذا، فالكنيسة شاكرةٌ جميع من يتصرّفون ـ حيال رسالتها هذه ـ باحترام ومودّة، ولا يعرقلونها أو يجعلونها صعبة. إنّ تحليل تاريخ الإنسان، لا سيّما في عصره الحالي، يبيّن كم هو هامّ واجبُ الكشف بملءٍ أكثر عن مدى هذه الخيرات التي تمثّل البعد الروحي للوجود البشري. إنّه يبيّن كم هي هامّةٌ هذه المهمّة من أجل بناء السلام، وكم هو خطِرٌ أيّ تهديد يمسّ حقوق الإنسان. فانتهاكها، حتّى في حالة «سلام» هو شكل من أشكال الحرب ضد الإنسان. يبدو أنّ هنالك تهديدين أساسيين في العالم المعاصر، يتعلّقان كلاهما بحقوق الإنسان في إطار العلاقات الدولية وداخل كل من الدول أو المجتمعات.

 

إنّ أوّل نوع من التهديد المنظّم لحقوق الإنسان مرتبط، بمعنى شامل، بتوزيع الخيرات المادية، غير العادل في غالب الأحيان، سواء على صعيد المجتمعات أم على صعيد الكرة الأرضية بأسرها. من المعلوم أنّ هذه الخيرات لم تُعطَ للإنسان كثروات الطبيعة وحسب، بل أيضًا يتمّ تمتّع الإنسان بها، في معظم الحالات، كثمرة لنشاطه المتعدّد، بدءًا بأبسط عمل يدوي وجسدي وانتهاءً بأشكال الإنتاج الصناعي الأكثر تعقيدًا وبالبحوث والدراسات المتخصصة الرفيعة التأهيل. إنّ أشكالاً من عدم المساواة في امتلاك الخيرات المادية وفي التمتّع بها تُفسَّر في غالب الأحيان بأسباب وظروف تاريخية وثقافية متنوّعة. لكنّ مثل هذه الظروف، حتّى وإن أمكنها أن تقلّل من مسؤولية المعاصرين الأخلاقية ، فهي لا تمنع من أن تتّسم أوضاع اللامساواة بالظلم والضرر الاجتماعي.

لذا، يجب أن ندرك أنّ التوترات الاقتصادية الموجودة في كل بلد، وفي العلاقات بين الدول وحتى بين القارّات بكاملها، تحمل في ذاتها عناصر جوهرية ملازمة لها تحدّ من حقوق الإنسان أو تنتهكها كاستغلال العمل والتجاوزات المتعّددة لكرامة الإنسان. ينتج عن ذلك أنّ المقياس الأساسي الذي يمكن بحسبه إجراء مقارنة بين الأنظمة الاجتماعية ـ الاقتصادية ـ السياسية ليس ولا يمكن أن يكون المقياس ذا الطابع الهيمني الإمبريالي ، بل يمكن، لا بل يجب أن يكون المقياس ذا الطابع الإنساني أي المقدار الذي يمكن به لكلّ منها أن يكون قادرًا حقًّا على الحدّ ـ إلى أقصى درجة ـ من مختلف أشكال استغلال الإنسان وعلى كبحها وإزالتها، وأن يكون قادرًا أيضًا على أن يضمن للإنسان، بواسطة العمل، ليس فقط توزيع الخيرات المادّيّة اللازمة توزيعًا عادلاً، بل أيضًا مشاركة مطابقة لكرامته، ومشاركة في عملية الإنتاج وفي الحياة الاجتماعية عينها، التي تتكوّن حول هذه العملية. فلا ننسَ أنّ الإنسان، وإن كان مرتبطًا بثروات العالم المادّي لكي يعيش، فلا يمكن أن يكون عبدًا له، بل سيّدًا له. إنّ كلمات سفر التكوين: «إملأوا الأرض وأَخضعوها» (سفر التكوين1 ،28) تشكّل، بمعنى ما، توجيهًا أوّليًّا وجوهريًّا في حقل الاقتصاد وسياسة العمل.

 

طبعًا، في هذا الحقل، إنّ البشريّة جمعاء، وكلَّ أمّة بمفردها قد حقّقت تقدّمًا ملحوظًا في القرن الماضي. ولكن، لا تنقص أبدًا في هذا الحقل التهديدات المنتظمة وانتهاكات حقوق الإنسان. فتوجد في غالب الأحيان كعوامل قلق الفروقاتُ الفظيعة بين الأفراد والجماعات الغنيّة بشكل مفرط من جهة، ومن جهة ثانية، الأكثرية العددية للفقراء أو بالأحرى للبؤساء المحرومين من الغذاء ومن إمكانيات العمل والتعليم، والمحكوم على عدد كبير منهم بالجوع والأمراض، ولكن يبعث أحيانًا على شيء من القلق الفصل الجذري بين العمل والملكية، أي لامبالاة الإنسان حيال عمل الإنتاج الذي لا يربطه به سوى إلزام عمل فقط، دون الاقتناع بالعمل من أجل خيره الذاتي أو من أجل ذاته.

من المعلوم عامةً أنّ الهوّة بين أقلّيّة الأغنياء بشكل مفرط والعدد الكبير من البؤساء تمثّل علامة خطيرة جدًّا في حياة كل مجتمع. ويجب ترداد الشيء نفسه، بإلحاح أشدّ أيضًا، بشأن الهوّة التي تفصل بين بلدان بمفردها وبين مناطق من الكرة الأرضيّة. فهل يمكن سدّ هذا التباين الخطير الموجود بين مناطق تخمة ومناطق جوع وفقر بطريقة أخرى ما لم يكن بواسطة تعاون منسَّق بين جميع الأمم؟ فلا بدّ لذلك وقبل كل شيء من اتّحاد مستوحًى من رؤية سلام حقيقيّة. لكنّ كلّ شيء يتعلّق بكونِ ما إذا كانت تلك الفروقات في المستويات وفي النقيضات في نطاق «تملّك» الخيرات ستتقلَّص بانتظام وبوسائل فعاّلة حقًّا؛ إذا ما اختفت من الخريطة الاقتصادية لكرتنا الأرضيّة ظواهر الجوع وعدم التغذية والبؤس والتخلّف والمرض والأمّيّة؛ وإذا لم يَفرض التعاون السلمي شروطَ استغلال وتبعيّة اقتصادية أو سياسية قد لا تكون سوى شكل من أشكال الاستعمار الحديث.

 

أودّ الآن أن ألفت الانتباه إلى النوع الثاني من التهديد المنظَّم والمنتظم الذي يتعرّض له الإنسان في العالم المعاصر في حقوقه التي لا تُمسّ، والذي يشكّل ـ ليس بصورة أقلّ من الأوّل ـ خطرًا على قضيّة السلام، أي مختلف أشكال الظلم في الحقل الروحي.

وفي الواقع، يمكن جَرح الإنسان في علاقته الباطنية مع الحقيقة، وفي ضميره، وفي أشدّ قناعاته الشخصية الحميمة، وفي مفهومه للعالم، وفي إيمانه الديني، كما في فلك ما يُسمّى بالحرّيات المدنية التي تشكّل أمرًا حاسمًا فيها المساواةُ في الحقوق دون تمييز بسبب الأصل أو العرق أو الجنس أو الجنسيّة أو المذهب أو القناعات السياسية أو ما شابه ذلك. إنّ المساواة في الحقوق تعني استبعاد مختلف أشكال امتياز البعض وتمييز البعض الآخر، سواء كانوا أفرادًا مولودين في أمّة واحدة أم أناسًا لهم تاريخ مختلف وجنسيّة مختلفة وعرق مختلف وفكر مختلف. يتّجه جهد التمدين في اتّجاه واحد منذ قرون: ألا وهو إعطاء حياة كل من المجتمعات السياسية شكلاً يمكن أن تُضمن فيه الحقوق الموضوعية للروح والضمير البشري والطاقة الخلاّقة البشرية بما في ذلك علاقة الإنسان بالله. مع ذلك، نشهد دائمًا للتهديدات والانتهاكات التي تتكرّر في هذا الحقل، دون إمكانية لجوءٍ في غالب الأحيان إلى محاكم عليا أو وسائل علاج فعّالة.

فإلى جانب قبول صيغ قانونية تضمن حريات الفكر البشري كمبدأ حرية الفكر والتعبير، والحرية الدينية، وحرية الضمير مثلاً، توجد في غالب الأحيان هيكلة للحياة الاجتماعية تَحكم فيها ممارسةُ هذه الحريات على الإنسان ـ إن لم يكن بالعمنى الرسمي، فأقلّه بحكم الأمر الواقع ـ أن يصبح مواطنًا من الفئة الثانية أو الفئة الثالثة، وأن يرى إمكانياته في التعزيز الاجتماعي والتقدم المهني، أو الدخول في بضع مسؤوليات معرَّضةً للخطر، وأن يفقد حتى إمكانية تربية أبنائه بحرّيّة. إنّها لمسألة بالغة الأهمّية أن يتمكّن جميع الناس، في كل أمّة وبلد، وفي كل نظام أو نهج سياسي، في الحياة الاجتماعية الداخلية وفي الحياة الدولية، من التمتّع بملء الحقوق الفعلي.

وحده ملءُ حقوق فعلي، مضمونٌ لكل إنسان دون تفرقة، يمكنه أن يؤمّن السلام في جذوره عينها.

 

أمّا بشأن الحرية الدينية التي لا يمكنها إلا أن تكونَ عزيزة لقلبي كبابا، لعلاقتها أيضًا بصيانة السلام، فأودّ أن أشير هنا، كإسهام مثالي في احترام البعد الروحي للإنسان، إلى بعض المبادئ الواردة في إعلان المجمع الفاتيكاني الثاني «في الكرامة البشرية».

« إنّ جميع الناس، بدافع كرامتهم وبصفتهم أشخاص أُعطوا عقلاً وإرادةً حرّة، وبالتالي، تحمّلوا مسؤولية شخصيّة، ملزَمون، بطبيعتهم عينها وبإلزام أخلاقي، بالبحث عن الحقيقة وبالدرجة الأولى، الحقيقة المتعلقة بالدين. وهم ملزَمون أيضًا بالانتماء إلى الحقيقة بعد أن يعرفوها وملزَمون بتنظيم حياتهم كلها وفقًا لمقتضياتها» (في الكرامة البشريّة1، 2).

«وفي الواقع، إنّ ممارسة الدين، بطبيعته ذاتها، تقوم قبل كل شيء على أعمال داخلية طوعية وحرّة، يتّجه الإنسان بها مباشرة نحو الله: هذه الأعمال التي لا يمكن أن تدينها أو تحظرها سلطةٌ بشرية صرف. لذا، فإنّ طبيعة الكائن البشري الاجتماعية نفسها تتطلّب أن يعبّر ظاهريًا عن أعمال الدين الباطنية، وأن يتّصل بالآخرين في الشأن الديني، وأن يجهر بدينه بشكل جماعيّ» (المرجع عينه، 1،3).
تطال هذه الكلمات جوهر المشكلة. وتدلّ أيضًا بأيّة طريقة قد يمكن المقارنةَ بين المفهوم الديني للعالم والمفهوم اللاأدري و أيضًا المفهوم الإلحادي، الذي هو أحد «علامات أزمنة» عصرنا، أن تحافِظ على الأبعاد البشرية صادقةً ومحترِمةً دون أن تَنتهك الحقوقَ الأساسية لضمير كل رجل أو امرأة يعيشان على هذه الأرض.

يبدو أنّ الاحترام عينه لكرامة الشخص البشري يتطلّب أن تُشرَك أيضًا المؤسّسات التي تخدم، بطبيعتها، الحياة البشرية وذلك عند مناقشة أو إقرار قوانين وطنيّة أو معاهدات دوليّة ضمن المحتوى الصحيح لممارسة الحرّية الدينية. فبإهمال هذه المشاركة، يتمّ التعرّض إلى فرض قواعد أو قيود منافية لاحتياجات الكائن البشري الدينية الحقيقية، وذلك في حقل حميمي جدًّا في حياة الإنسان.

 

لقد أعلنت منظّمة الأمم المتّحدة سنة 1979 سنة الطفل. ولذا، فإنّني أودّ، بحضور ممثّلي أمم عديدة من الكرة الأرضيّة مجتمعين هنا، أن أُعرب عن فرحي بأن يشكّل الأطفال، ربيعُ الحياة، لكل منّا استباقًا للتاريخ المقبل لكل من البلدان الأرضية الحاضرة. ما من بلد في العالم، وما من نظام سياسي يمكنه أن يفكّر بمستقبله الذاتي إلاّ من خلال صورة هذه الأجيال الجديدة التي ستتسلّم من أهلها التراث المتعدّد لقيم وواجبات وتطلّعات الأمّة التي تنتمي إليها مع تراث العائلة البشرية جمعاء. إنّ الاهتمام بالطفل، حتى قبل ولادته، منذ لحظة الحبل به، ثم في سنوات الطفولة والشباب، هي التثبّت الأوّل والأساسي من علاقة الإنسان بالإنسان.

ولذا، أي شيء يمكن أن نتمنّى لكل أمّة وللبشرية جمعاء ولجميع أطفال العالم أكثر من ذلك المستقبل الأفضل الذي يصبح فيه احترام حقوق الإنسان واقعًا تامًّا في أبعاد العام الألفين الآخذ بالاقتراب؟

ولكن، يجب علينا في هذا المنظور، أن نتساءل عمّا إذا كان سيواصل تراكمه على رأس هذا الجيل الجديد من الأطفال خطرُ الإبادة المشتركة  التي توجد وسائلها في أيدي الدول المعاصرة، وبخاصة الدول العظمى في الأرض. هل سيجب على هؤلاء الأطفال أن يرثوا منّا، كإرثٍ لازم، سباقَ التسلّح؟ وبأيّ شيء يمكننا أن نفسّر هذا السباق المفلت العنان؟ كان من عادة القدامى القول: «إذا شئت السلام فاستعدّ للحرب». ولكن هل يمكن عصرنا أن نؤمن بعد بأنّ دوّامة الأسلحة المدوِّخة تخدم سلام العالم؟ إنّ المرء، بادّعائه وجود خطرِ عدوٍّ محتمل، يفكّر، بالعكس وبدوره، بالاحتفاظ لذاته بوسيلة تهديد بغية الحصول على التفوّق بفضل مساعدة ترسانته التدميرية؟ هنا أيضًا، إنّ البعد الإنساني للسلام هو الذي يميل إلى التلاشي لصالح نزعات توسّعية محتملة ومتجددة.

لذا، يجب أن نتمنّى هنا رسميًّا لأطفالنا، لأطفال جميع أمم الأرض، ألاّ يتمّ الوصول أبدًا إلى هذا الحدّ. ولذا، إنّني لا أبرح أبتهل إلى الله كل يوم أن يصوننا برحمته من يومٍ فظيع كهذا.

 

في ختام هذا الخطاب، أودّ أن أُعرب مرّة أخرى أمام جميع ممثّلي الدول المحترمين، الحاضرين هنا، عن مشاعر التقدير والحبّ العميق لجميع الشعوب ولجميع أمم الأرض ولكل جماعات البشر. إنّ لكل منها تاريخها وثقافتها: أتمنّى أن تتمكّن من العيش والنموّ في حرّيّة تاريخها وحقيقتها طالما أنّ هذا هو مقياس الخير المشترك لكل منها. أتمنّى أن يتمكّن كلّ واحد من العيش والتغزّز بقوة أخلاق هذا المجتمع الذي ينشِّئ أبناءه كمواطنين. أتمنّى على سلطات الدول، باحترامها الحقوق الصحيحة لكل مواطن، أن تتمكّن من التمتّع بثقة الجميع من أجل الخير العام.

أتمنّى لجميع الأمم ، حتّى لأصغرها، ولتلك التي لا تتمتّع بعد بالسيادة التامّة وتلك التي انتُزعت منها السيادة قسرًا، أن تتمكّن من التلاقي مع الأمم الأخرى في منظّمة الأمم المتحدة بمساواة تامّة.

أتمنّى لمنظمة الأمم المتحدة أن تظلّ دائمًا منتدى السلام والعدالة الأسمى: المقرّ الحقيقي لحريّة الشعوب والبشر في تطلّعها إلى مستقبل أفضل.

 

© Libreria Editrice Vaticana - 00120 Città del Vaticano

لاستشهاد بهذه المقالة

His Holiness John Paul II, انتهاك الحقوق الأساسية شكلٌ من أشكال الحرب , «Oasis» [أون لين], العدد الخامس | آذار 2007, أون لين من 15 مارس 2007 تمت زيارة الموقع في 09 فبراير 2012.
URL: http://www.oasiscenter.eu/node/4518