تأويل التقليد , «Oasis» العدد التاسع (2009)

باولو دالّوليو حاورَتْه ماريا لاورا كونتي

الكنائس الشرقيّة، حُسْنُ الجِوار المقدّس

 

استعادةٌ للتقليد المسيحيّ الشرقيّ لا تنبثق عن ولوع بعِلْم الآثار، بل تهدف إلى لقاءٍ متجدِّد مع المُسلمين. هذا هو الدافع السامي الذي يُحرّك جماعة مار موسى الحبشي الرهبانيّة. وهو ديرٌ يقع في أقاصي سلسلة جبال القلمون عند حدود بادية الشام، على بعد 100 كلم شمالي دمشق. بعد أن هُجر الدير في القرن الثامن عشر، رمّمَه ابتداءً من الثمانينات الأب باولو داللوليو الذي كان يدرس العربية في إطار الرهبنة اليسوعيّة، واختار أن يبقى لِيعيش في هذا المنسك المهجور ويستعيد بذلك الإرث السريانيّ. ولكنْ كلّ إعادة تملُّكٍ هو دومًا خلقٌ جديدٌ.

 

دعوتك هي بلا شكّ دعوة فريدة. كيف أتت إلى بالك فكرة ربط حياتك بِديرٍ سوريّ؟

حين تعرّفتُ إلى التقليد السريانيّ، كنت أسكنُ في دمشق كطالب في اللغة العربية والإسلام. داخل وضع ٍإيطاليّ شديد الانقسام (كنّا في السبعينات)، تزامن فيَّ دخول الرهبنة اليسوعيّة مع انفتاح على عمق العلاقات بين الكنيسة والثقافات الدينيّة الأخرى. في العاصمة السورية كنت أعيش كثيرًا مع المسلمين، وأسهر في الحلَقات الصوفيّة، وفي أيّام الجمعة كنت أذهب إلى الجوامع لِلاستماع إلى الخطب ومتابعة الدروس في كليّة الشريعة الإسلاميّة. في الوقت نفسه كنت أدرك أنّ من واجبي، بِسبب تعرّضي الكبير لِلجوّ الإسلاميّ، أن أتجذَّر في الحياة المسيحيّة المحليّة. ففي الآحاد خاصَّةً، كنت أنتقل من كنيسة إلى أخرى لِلتعرّف إلى الروم والموارنة (الذين كنت قد التقيتُهم في لبنان) وخاصّةً إلى السريان الأرثوذكس. إنَّ ليتورجيّتهم تتأرجح ما بين السريانيّة والعربيّة، دون اختيار أيّ من هاتين اللغتين بِشكلٍ حصريّ: إنّها دلالة مُثيرة للاهتمام على البُعد الجدليّ الذي يرخي نوعًا ما بظلاله على هذه الجماعة. كنتُ منجذبًا بالأخصّ لِعِظات البطريرك الحاليّ زكّا الأوّل، الآتي من ديرٍ في العراق. وكان حينها في الأربعين من عمره، وقد انتُخِبَ قبل وقت قليل على رأس كنيسته. أثَّرَت فيّ عِظاته إذ كان يستعمل لغة عربيّة قريبة من أسلوب القرآن تختلف عن تلك التي كنت أسمعها في الكنائس الكاثوليكيّة على لسان الكهنة والأساقفة الذين تعلّموا في معظمهم في لبنان أو في الغرب حيثُ تتّسمُ اللغة العربية بسمات الترجمة. كان الكلام في عِظاته ينبعث من روح شرقيّة وهو ينتظم في أسلوبٍ تخيُّليٍّ في التعليق على الكتابات المقدسة، يُشبه كثيرًا أسلوب المدراشيم العبرانيّة، الممتلئة بالقصص والروايات. بِخلاصة الأمر، كانت عبارة عن قراءة ساميّة لِلكتابات المقدسة، حيثُ تُفسَّر الرواية البيبليّة بِروايات أخرى وتُلَخَّص بِبعض التعابير المفارِقة القويّة. وجدتُ فيها حِكمة آباء الصحراء وأسلوبهم، وذوق الشعراء السريان الكِبار: أفرام، يعقوب السروجي وغيرهما. كان ذاك الرجل يعرض أمامي تقليدًا حيًّا ويُبيّن لي كيف أنَّ تقليده هذا، المُتجذِّر في العالم الساميّ القديم، قد تغذّى من التضامن والمُشاركة الرمزيّة في حياة المسلمين خلال أربعة عشر قرنًا. لقد بدا لي جسرًا تأويليًّا ومن هنا كان خياري في اعتماد الطقس السريانيّ الكاثوليكي.

ولكن من الهامّ أيضًا فَهم أنَّنا، في دير مار موسى، لا نتصرّف تصرّف علماء الآثار ولا نَحِنُّ إلى الماضي بل، وأقولها ربّما مع بعض المبالغة، ننظر إلى الأمام نظرة الأنبياء. إذ نودّ المشاركة في إحياء الإيمان والالتزام بهذه الجذور التقليديّة السريانيّة لكي تُعطيَ ثمارًا جديدة في زمننا.

وعودةً إلى مِثال البطريرك زكّا، إنّه كان قادرًا على اختيار ألا ينتقل إلى أميركا رغم أنّ غالبيّة مسيحيِّيه هم من المُهاجرين (من تركيا والعراق وسوريا...). بالنسبة إليه كانت هنالك أكثر من دافعة للذهاب إلى السويد أو إلى أميركا، حيثُ تعيش الآن غالبيّة مؤمني كنيسته. ولكنّه قام بِخيار التجذُّر المحلّي. إنَّ خياره هو تقبّلٌ واعٍ لِهويّة ثقافيّة علائقيّة بين السريان المسيحيّين والعرب المسلمين.

 

هل تتماهى وهذا الخيار؟

إنّي أُشارك البطريرك زكّا تمامًا في خياره، هو يعلم هذا ونحن نُقدّر بعضنا بعضا. هذا الرجل كان نبيًّا حقيقيًّا لِلتجدُّد في كنيسته والثمار تؤكِّد هذا الأمر. فَكنيسته، وإن كانت إحدى أصغر الطوائف الشرقيّة، تعيش فَوَرةً ثقافيّةً وروحيّةً. من جهتنا، أُريد للدير الذي أعدتُ تشييدهُ مع الإخوة والأخوات في الجماعة أن يتقبّل المسؤوليّة اللاهوتيّة والروحيّة نحو العالم الإسلامي بصورة أكثر جذريّة (أكثر «كاثوليكيّة» إن أردنا) وهذا بُعدٌ لا نجدهُ بِشكلٍ مُماثل عند الجانب الأرثوذكسي.

وهذا يعني لنا، نحن الرجال والنساء المُكرّسين لِمحبّة يسوع من أجل المُسلمين في الإطار العربي الإسلاميّ والمسيحيّ (الأقلّويّ) في سوريا اليوم، يعني العيش في علاقة مع الله ومسيحه في لغة نريدها منذ الآن «حواريّة»، مُتجذِّرة في الخبرة الرهبانيّة الشرقيّة وفي الوقت نفسه في علاقة مع الخِبرة الصوفيّة الإسلاميّة. عندما أقول «الخِبرة الصوفيّة الإسلاميّة» لا أعني واقعًا غريبًا عن الحياة الدينيّة لأغلبيّة المُسلمين. نحن لا نختار التصوّف الإسلامي ضدّ بقيّة الإسلام. فَبالنسبة لنا، يهمُّنا إدراك البُعد الروحيّ والزهديّ في حياة المسلمين العاديّة، في الصلاة والحجّ والجوّ العائلي الحرم ومسجد الحيّ، باختصار كلّ هذا «العيش اليوميّ» لِلدين الإسلاميّ في بُعدِهِ الروحيّ. نودّ أن نجعلهُ مألوفًا لنا لِمحاولة فَهم الروحيّة الحميميّة. كان ماسّينيون (Massignon) يقول إنّه يجب أن نرغَبَ، بِدافع المحبّة، في وضع أنفسنا في مِحوَر مصير الشخص المحبوب.

 

كيف يُساعد التقليد الشرقي على اللقاء مع المُسلمين وماذا يُمكنه أن يُعلِّم الغرب؟

أعتقد أنَّ الكنائس الشرقيّة التي عاشت مع المسلمين تُمثِّل سرّ حسنِ جِوار وتعايش، وهذا السرّ يتعيّن على اللاهوت الكاثوليكي أن يُحَلّله ويستوعبه لكي يستطيع أن يقوم بالخيارات المُلِحَّة جدًّا في العلاقة مع الإسلام في الشرق والغرب على السواء. لا تسير الكنيسة نحو الإسلام مُتخطِّيةً المسيحيّين الذين عاشوا مع المسلمين في المُدُن والشوارع نفسها على مدى أربعة عشر قرنًا. علينا أن نفهم أنَّ هناك أيضًا كثيرًا من المسيحيّين الشرقيّين سيقولون لِلغربيّين: «لا تفعلوا مثلنا، افترقوا عن المسلمين، تجنَّبوهم لأنّهم في النهاية سوف يلتهمونكم، كما التهمونا، استقبِلونا نحن وارفضوهم». إنّه كلام نسمعه على لسان بعض المسيحيّين الشرقيّين. بالطبع، ليست هذه فكرتي ولا فكرتنا كَجماعة رهبانيّة. نحن نعتقد أنّه نَتَجَت في هذه البلاد خُلاصة حقيقيّة ذات مغزى، وأنَّ العلاقات بين المسيحيّين والمُسلمين في الأحياء نفسها، ومع الرهبان الذين استقبلوا لِقرون عدّة مُسلمين في زيارتهم لأديارهم، لها معنىً يخصّ الوضع اللاهوتيّ لِلإسلام في اللاهوت المسيحي. في الوقت نفسه، نحن نعي أنَّه لم يكن هناك في الماضي تحليلٌ لاهوتي كافٍ. نوعٌ من التصلّب العقائديّ كَبَحَ الشجاعة الضروريّة لِتفسير الحدث الإسلامي نسبةً إلى تاريخ الخلاص. من هذا المنظور، إنّ المسيحيّين الشرقيّين هم بِحاجة لِلمُشاركة في تأمّل كاثوليكيّ عالميّ مسكونيّ يتخطّى الانغلاقات المرتبطة بخوف فَقْد الهويّة لكي يتقبّلوا من جديد مسؤوليّة رسوليّة بشاريّة حقيقيّة تجاه العالم الإسلاميّ. بكلمات أخرى، المسيحيّون الشرقيون يمثّلون في الفعل، في التطبيق العمليّ، واقعًا له أهميّة لاهوتيّة. لا يُمكن أن نعيش في البناية نفسها مع أُناس قدرهم جهنَّم! هذا التعايش هو سرٌّ يؤكِّد ويُحقِّق واقعًا ذا بُعدٍ لاهوتي. ولكن التأمّل اللاهوتي لم ينضج بَعد، رغم الثورة الكوبرنيكيّة التي قام بها المجمع الفاتيكانيّ الثاني بِخصوص الأديان، وبالأخصّ الإسلام.

 

على ضوء خبرتك الواقعيّة، هل هناك في سوريا «إسلام الشعب»؟

أفهم التمييز في تعبيركِ، وهو يُعجبني. هناك إسلام ََشعْب وهناك كنيسة شعب (كنيسة سوريّة مسكونيّة، مكوّنة في معظمها من الأرثوذكس، مع أقليّة كاثوليكيّة وبروتستانت على الهامش). في سوريا الإسلام هو بصيغة الجَمع والكنيسة هي بصيغة الجَمع. هناك أيضًا واقعٌ إيديولوجيّ لِلإسلام، بِصيغة الجَمع أيضًا، وكذلك واقع إيديولوجيّ لِلكنيسة، بصيغة الجَمع. أجد من السليم جدًّا محاولة التمييز بين التديُّن الإيديولوجيّ والتديّن - فلنقُل - الموهوب، العامِل. في هذا نجد أيضًا الطابع الفولكلوري، أي «الشعبيّ». هنا الفضوليّ أنا...

 

لاحظنا من خلال عملنا في الواحة أنّ هناك توجّهًا لِلتمييز بين الأصوليّة والاعتدال في الإسلام ولكنّ الخَطرَ هو الإبراز، باسم الإسلام المعتدل،لشخصيّات لم يعد لها علاقة وثيقة بِالإسلام...

في الواقع كلمة «مُعتدلون» غالبًا ما تعني «مُغَرَّبون».

 

كما لو أنَّنا، في التمييز بين الإسلام الأصوليّ والمعتدل، لا ننجح في استيعاب لبّ الخِبرة الدينيّة الإسلاميّة. لِذلك أسألك: كيف ترى هذا في خبرتك السوريّة؟ هل هناك إسلام شعبيّ وكيف تجده؟ إسلام تكون فيه الخِبرة الدينيّة المحسوسة غير مُختزَلة بِإيديولوجيا...

شخصيًّا لا أتابع الاختزال بِإيديولوجيا لأنَّ انتقادها يوقعني في الإيديولوجيا مرّة أُخرى. لِنحاول أن نبقى في إطار الظاهرة ونحلِّلها. الظاهرة هي هذه: جمهور كبير من المُسلمين الأتقياء. هنا تبني العبادات الإسلاميّة وحدة وجود شخصيّ، عائليّ واجتماعيّ في سلسلة من الطقوس، تبني أسلوب حياة، و نوعا من الجماليّة والمشروع الاجتماعي أي مشروع قِيَم. العبادات هامّة جدًّا، قبل كلّ شيء الصلاة: قد تكون الصلوات الخمس لِلأكثر تعبُّدًا، وصلاةٌ واحدة في اليوم لآخرين، بينما يثابر آخرون على صلاة الجمعة فقط . الصلاة، بالتأكيد لها أهميّة كبيرة لإيقاع العبادات. وكذلك الحجّ، بالطبع. وأيضًا الصوم في رمضان له دورٌ أساسيّ: إعادة كلّ الذين ينزلقون إلى تصرّفات بعيدة عن الدين إلى الممارسة الدينيّة. إنّها فعلاً مناسبة لِلتربية على الإيمان على مستوى الجماهير. نُضيف إلى ذلك أنَّ هناك لدى المتعبّدين المسلمين، في معظم الأحوال، أخلاقيّات أقوى من التي يملكها الذين لا يهتمّون بالدين أو كما نقول بالعاميّة «مش فرقانه معهن». لِسبب أو لآخر، لا يكترثون البتّة بالدين. تنطوي العبادات على التزام أخلاقي كما وإلى عطشٍ لِديمقراطيّة مُتّصلة بِتقويم الفساد. نحن نرى مدارسَ تعمل حتّى الآن بِأعجوبة، ومكاتب تعمل بشكلٍ أو بآخر، وسلسلة كاملة من الخدمات تعمل، وذلك بِفضلِ تصرّفٍ دينيّ إنسانيّ في مكان العمل، سواء في القطاعات الرسميّة أو الخاصّة. نُلاحِظ نزعة أبويّة لكنّها تتميَّز عامّةً باحترام حقيقيّ لِلإنسان كَإنسان مُتديِّن. فالإنسان في الإسلام هو الإنسان المتديّن، لا الإنسان المُنفصل عن علاقته مع الله، وكرامة الإنسان هي قبل كلّ شيء في وقوفه بِحضرة الله. على كلّ مستويات الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، التعبّد يستتبع احترام الشخص في كرامته.

هل هذا هو ما تصفهُ بـ «إسلام الشعب؟»


أعتقد ذلك...

 

هذا الإيمان تبدو لها ارتدادات اجتماعيّة وأنتروبولوجيّة...

إنّي مُعجبٌ دومًا بأنَّ السفينة الاجتماعيّة تواجه البحر ولا تغرق، بِفضل هذا التعبُّد الإسلاميّ، إذ هناك ألف سبب لِلغرق: الفساد السياسيّ، المحسوبيّة العالميّة المبنيّة على الامتيازات والطبقات الاجتماعيّة، وإفراط النظام في القمع الذي تدفع إليه وتُبرِّره الانحرافات الإرهابيّة...

«إسلام الشعب» هذا ليس مُنفصلاً عن الإسلام الجِهاديّ، ليس مُنفصلاً وذا حدود واضحة... إنّه مُتاخِمٌ له. ففي إطار الجامعات قد يكون هناك تعاطفٌ مع الجماعات الأكثر تطرّفًا؛ وفي أوقات الأزمة، كما في أزمة غزّة، يشعرون بِأنّهم مُمثَّلون ممّن هم الأكثر غضبًا. التلاصق يتزايد أو يضعف وفق إهانة الكرامة الخاصّة الإسلاميّة، والطموح بالتحرّر، والرغبات في التطوّر من قِبَل «المُعتدلين» الموجودين في السلطة ومن قبل القوى العالميّة.

 

هل ترى شيئًا مُماثلاً لِهذا الواقع في المسيحيّة؟

في المسيحيّة الشرق أوسطيّة العربيّة؟ طبعًا! وفي الواقع إسلامُ الشعبِ هذا هو الذي يسير، منذ قرون، شابكًا يده مع مسيحيّة الشعب. هم الذين يُحقِّقون لاهوت التعايش التطبيقي والشراكة في الحياة وحسن الجوار.

 

وهذا هو ربّما الوجه المحسوس لِما نُسمّيه أيضًا بـ «التقليد»...

بالطبع، لكنّ التوتّرات الشاملة تستهلك اليوم التقليد والمشاركة في الحياة. هذه التوتّرات قد تتسبّب في زيادة تفتيت هذا المجال، وعندما تصبح الأزمات خطيرة كما في غزّة، يُمكننا القول إنَّ المجال قد تفتَّت...

 

كان واقعُ الجوار بين إسلامِ الشعب ومسيحيّةِ الشعب على مدى أربعة عشر قرنًا قد ضمنَ التعايش وكوّن حالة يوميّة، و لكنّ هذا التقليد في خطر الآن.

أجل، إنّه كذلك. لا يُمكنهما أن يبقيا فقط وببساطة إسلامَ شعب ومسيحيّةَ شعب. يجب أن يُصبحا إسلامًا ومسيحيّةً واعيَين، قادرَين على تطوير الوعي الخاص النظريّ لأنّه يجب عليهما مقاومة تطرّفين، الأوّل هو الانسياق الذي دعيتِه إيديولوجيًّا، أصوليًّا، جِهاديًّا، أمّا الثاني فهو خطر استعمال العنف كردٍّ على الشعور بالذلّ والفساد، والتسلّط الذي يميّز الأنظمة.

 

ألم يَكُنْ هذا الخطر وهذه الحاجة موجودين أو قويَّين في الماضي كما هما اليوم؟

كانت هناك أخطارٌ أُخرى. في سوريا خرجنا من الانتداب ومن عهد الإمبراطورية العثمانيّة... كانت ثقافة المجتمعات على المستوى المحلّي غير مُتأثِّرة كثيرًا بالمسائل الكُبرى. كما عندنا في إيطاليا في القرن التاسع عشر: سلالة سافويا، غاريبالدي، ولكن الناس كانت تبقى على حالها، لم يتأثَّر المجتمع كثيرًا بالعواصف السطحيّة. اليوم لا يصحّ مثل هذا التحليل. فالإسلام المُتجذِّر في البلد، سواء كان ريفيًّا أو مدنيًّا، هو اليوم في قلب العاصفة لأنَّ الأحداث تفعل فعلها حتّى الأعماق – وذلك أيضًا بِسبب الإعلام المرئي والمسموع - وتزيد من سرعة المسيرة، وتُبرزها. فبدون ردّة فِعل واعية وقويّة ، من الواضح أنَّ ثِقل هذا الحِمل التقليديّ، بكلّ حسناته وسيّئاته، سيختفي ونصبح ضحايا حركات سريعة، متسرّعة، سطحيّة وفقيرة على المستوى الثقافيّ.
إن لم تحدث اندفاعة الإدراك، سيندفع الإدراك الجِهاديّ أو...

 

أو النسيان، التناسي..؟

لا، بل بالأحرى تحويل الماضي إلى أسطورة لِخلق إيديولوجيا أو برنامج أصوليّ أو قاعدة ميثولوجيّة لِلتجمّعات السلطويّة...

 

نوعٌ من الحنين يهدف للهيمنة... على خلفيّة ما وصفته، ما وضع الحريّة الدينيّة في سوريا الآن، وفق خبرتك؟

بِقدر ما تنتشر الحركات الإسلاميّة التي تتظاهر كَضحيّة (تلك التي تؤكِّد على نظريّة أنَّ الإسلام هو دومًا يتعرّض لِلهجوم)، يتمّ تبرير الكثير من ردّات الفِعل، حتّى المُفْرطة منها. ومِثالاً على ذلك: لقد رفضوا إعطائي تأشيرة سفر لِلذهاب إلى الجزائر، كحاجّ على خُطى الأب شارل دو فوكو لأنني رجل دين كاثوليكيّ. أرى هنا واضحًا التواصل بين السلطة المسمّاة مُعتدلة والانزلاق الأصوليّ. باسم ماذا؟ باسم السِلم الأهليّ الذي يجب أن يتحمّل الشعور الإسلامي المُتطرِّف الذي يؤكّد أنّه يتعرَّض لِلهجوم، ومن ضمنه الهجوم التبشيري. وهكذا تذعن السلطات المُعتدلة، لكي تُحافِظ على ذاتها، لِلغرائز الأصوليّة.

سوريا سليمةٌ بِشكلٍ كافٍ من هذا الخطر، ولكن على أرض الولقع قد يظهر الالتحام بين الخوف الناجِم عن الحركات الإسلاميّة، والجاذبيّة التي قد تُمارسه مع إمكانيّة استغلالها من قِبَل السلطة وهي قد تستغلّ قمعها لهم أيضًا وفق الظروف والمناطق والأطُر.

 

هنا أيضًا نعود إلى حماية التقليد، ولكن بشكلٍ يعيد قراءته وامتلاكه في تَوْعية نظريّة تكلّمت عنها آنفًا...

والتي ستفشل إذا ما فَشِلَ الحِوار بين الأديان سواء في أوروبا أو جنوب البحر المتوسط أو جنوب العالم (نيجيريا، تشاد، السودان ألخ). يجب ضخّ رأسمال من الأمل في المُركَّب التصادميّ الحالي. يجب أن ننجح في إنشاء حركات وتأثيرات أوسع فأسع. هذا يعني العمل في منطق من العدالة وحسنِ الجوار شامل على المستوى العالمي.سوف يكون مستقبلنا حسب ما جرؤنا على الحُلْم به
 

 

لاستشهاد بهذه المقالة

Paolo Dall'Oglio, الكنائس الشرقيّة، حُسْنُ الجِوار المقدّس , «Oasis» [أون لين], العدد التاسع | تمّوز / يوليو 2009, أون لين من 28 سبتمبر 2009 تمت زيارة الموقع في 09 فبراير 2012.
URL: http://www.oasiscenter.eu/node/4666