تأويل التقليد , «Oasis» العدد التاسع (2009)

الأصليّ ضدّ الشعبيّ: حالة الجزائر

 

منذ 30 سنة، اخترقت قراءةٌ إسلاميّة لِحياة المسلمين المجتمعَ الجزائريّ اختراقًا واسعًا. وقد عبَّرت هذه القراءة عن نفسها بِعنف خلال الأزمة الإسلاميّة، من عام 1992 حتّى عام 2000. ثمّ تغلّبت المقاومة الشعبيّة وردّة فِعل قوّات الأمن على التجاوزات التي سادت تلك الفترة، رغم أنّ بعض الأعمال المُتفرِّقة لا تزال تحصد ضحاياها كلّ أسبوع.

لكن مشكلة العنف الإسلاميّ ليست المسألة الوحيدة التي تُقلِق ضمير الجزائريّين. فخلال الثلاثين سنة الأخيرة، تغيَّر المشهد الدينيّ جذريًّا، وأصبح التحوّل في العادات والتقاليد، وحتّى في بعض القناعات العقائديّة، مدارَ جدل مُحتدم في قطاعات عدّة من المجتمع الجزائريّ. و تنتقد حياة المسلمين الجزائريّين التقليديّة باسم الأصول، كما يقولون. سوف نحاول فَهم هذا الجدال وتحديد مَوقعه، متأسّفين لاقتصار البحث على المجتمع الجزائريّ، لِعدم تمكّننا من مُعالجة التطوّرات المُشابهة والمُختلفة في الوقت نفسه التي أصابت المجتمعات الإسلاميّة الأخرى في المغرب العربيّ: في ليبيا وتونس والمغرب وموريتانيا.

تعترض التقليد الإسلاميّ الشعبيّ الجزائريّ تصرّفاتٌ جديدةٌ تترسَّخ بعودة الأصوليّة التي تودّ تخطّي الإسلام الشعبيّ مُعتبرةً إيّاه قد تشوَّه تدريجيًّا بسبب الانحرافات المُناقِضة للعقيدة الأصليّة. وقد تسارعت وتيرة هذه الحركة كثيرًا بعد الثمانينات تحت تأثير التيّارات الآتية من الشرق الأوسط. ولكن، في الواقع، يعود الصِدام بين الإسلام الشعبيّ في الجزائر وإسلام العلماء إلى العشرينات من القرن الماضي. إنّه لَمن الضروريّ إذًا أن نستعيد حركة «العودة إلى الأصول» المزدوجة هذه، أي تلك التي سادت بين العشرينات والخمسينات وهذه التي طرأت في نهاية القرن الماضي.

وأولى الحركتين معروفة، سَمَّت نفسها حركة «العُلماء» (جمعيّة العُلماء). فبعد أن بدأ التفكير بها في عام 1925، تأسَّسَت كَجمعيّة في بداية الثلاثينات. وارتكزت إلى شخصيّات كبيرة في الإسلام الجزائريّ الإصلاحيّ، التي يعرفها اليوم كلّ الشعب من خلال الإعلام وأسماء الشوارع والاحتفالات بذكراهم : عبد الحميد بن باديس (1889-1940)، بشير ابراهيمي (1889-1965) العربي التبسي (1891-1956)، مُبارك الميلي (1898-1945)، توفيق المدني ألخ. وقد حدّدت الحركة حينها لنفسها هدفًا مُزدوجًا: أوّلا، استرجاع الشعب الجزائري معرفته باللغة العربيّة الفصحى من خلال إنشاء مدارس ابتدائيّة وثانويّة. ثمّ هدف اعتراض الإسلام الشعبيّ الذي اعتبرته فاسدًا بِسبب الطرق الدينيّة وأعمال المسؤولين عنها، أو المُرابطين. هذه الحركة، المُسمّاة «إصلاحيّة»، تمّ استيعابها ومتابعتها من قبل السلطة الجديدة التي نشأت بعد الاستقلال عام 1962. فقد كان تعليم العُلماء يُقدِّم أساسًا نظريّا لِلموظّفين المُكلَّفين بتمثيل الإسلام الرسميّ سواء في التعليم العامّ أو في الجوامع والإعلام. وحصلت، مع هذا التيّار الإصلاحيّ، أوّل مواجهة بين إسلام التقاليد الشعبيّة والإصلاح. لكن الإسلام الجزائري تعرّض لتأثير حركة ثانية، كانت لها الكثير من المضاعفات، ابتداءً من الثمانينات مع دخول تيّارات فكريّة طارئة جديدة آتية من الشرق الأوسط. تنشر هذه التيّارات في الجزائر رؤىً لِلإسلام مستوحاة من حركة الإخوان المُسلمين ومن الاتّجاهات الجديدة لِلإسلام المصريّ، أو متأثّرة مُباشرةً بالإسلام الوهّابي السعوديّ.

 

شرائط تسجيل وخطابات

بدَّلَت تيّارات الثمانينات الجديدة بالجزائر من التصرّفات التقليديّة لِلإسلام الجزائريّ. ولوعي هذا الأمر تكفي مُلاحظة العادات الجديدة في ملابس النساء (اللواتي تخلّينَ عن الحايك التقليديّ) أو في مظهر رجال كثيرين، يطيلون لحاهم ويرتدون القميص الأبيض والقلنسوة. لكنّ هذه التغييرات في التصرّف الخارجي تعكس تبدّلات داخليّة أكثر أهميّة، حيث يجري اقتراح رؤية جديدة لِلإسلام، على ضوء قناعات سيّد قُطب وحركته، التي تُسوّقها شرائط الإمام عبد الحميد كشك (وهو مصريّ) أو في عِظات الشيخ الغزالي، وهو شخصيّة في علوم الإسلام قدّمه الإعلام الجزائري الرسميّ خلال الثمانينات. وهكذا طُرحت للنقاش عادات عمرها قرون على أساس عدّة أحاديث نبوّية يقيّمها معلّمو الإسلام الجُدُد. فعلى سبيل المِثال، مُدِّدَ صوم رمضان أسبوعًا إضافيًّا، بعد عيد الفطر. وكان هناك تمديد مُماثل لِلصوم بِمناسبة عاشوراء. لكنّ المُهِمَّ هنا ليست الدعوةُ إلى كرمٍ أكبر يطرحه فكرٌ آتٍ من الشرق الأوسط، بل قُدرة هؤلاء العلماء الشرقيّين على إدخال تصرّفات جديدة.

وما وراء التصرّفات المتعلِّقة بالعِبادات، هناك بالطبع نتائج لـ «العودة إلى الأصول» في التصرّفات الاجتماعيّة. والحجاب في حياة النساء اليوميّة رمزٌ ماثلٌ للعيان في تطوّر العقليّة. فقد قدَّمَ تحقيقٌ قام به مركز الإعلام والتوثيق لِحقوق الطفل والمرأة في الجزائر العاصمة في بداية عام 2009 الملاحظات التالية بقلم إيمان هايف إغلحريز (صحيفة الوطن، 8 آذار/مارس 2009): «تُمثِّل الفتيات اللواتي يلبسنَ ألبسة حديثة ويضعنَ الوشاح نسبة 38% من الإناث، يتبعهنَّ اللواتي يُفضِّلنَ الحجاب المُلتَزِم (المُتشدِّد) بنسبة 34% وأولئك اللواتي لا يزلنَ مُتعلّقات باللباس التقليديّ (يُمثِّلنَ 2% فقط). لقد تخلّينَ عن الحايك أو الملاية خلال الثمانينات والتسعينات وانتقلنَ مباشرةً لِلبس الجلاّبة أو القندورة مع الوشاح. إنّه توجّه حديث لأنَّ جيل النساء الذي هو في سنّ الخمسين اليوم قد عرفَ السبعينات والثمانينات، حين كان يُمكن رؤية نساء في الشوارع يلبسنَ الحايك أو الملابس الحديثة ».

ولكنّ هذا التحقيق يُظهر نوعًا من الجِدال بين التقليد والحداثة حول مواضيعَ أُخرى، على سبيل المِثال حولَ الإرث: «قام المجتمع بِخطوة جبّارة إلى الأمام: يعتقد نصف الجزائريّين أنَّ الإخوة والأخوات يجب أن يكون لهم حقّ مُتساوٍ في الإرث. وواقع الحياة اليوميّة هو الذي أدّى إلى هذا التغيير. فالجزائريّون الذين يوافقون على التساوي في قسمة الإرث يواجهون يوميًّا واقع القرن الحادي والعشرين حيثُ تعيش العائلات مآسٍ يتعيّن إيجاد حلول لها. إنّهم يفكّرون وفق ما يعيشونه».

في النهاية، وكمثالٍ ثالث، يعالج التحقيق موضوع المساواة بين الرجال والنساء ويستنتج في هذا الإطار أيضًا عودة إلى الوراء: «في عام 2008، أعلن 2 من بين 10 جزائريّين تأييدهما لقِيَم المُساواة. وكذلك 2 من بين 10 آخرين من الجزائريّين عبَّروا عن معارضتهما لِلمُساواة بين الجنسين. وفي المنتصف، هناك كتلة منقسمة إلى مجموعتين بِنِسَب مُتساويّة، واحدة أكثر قربًا من الذين يؤيّدون المساواة وأخرى تميل إلى الذين يعارضونها. لقد حدث هنا تطوّر لدى جزء من السكّان، حيث انقلبَت فئة المُوافقين في عام 2000 نحو فئة «لا مع ولا ضدّ المساواة».

لقد بيَّنَ عالم الاجتماع الجزائريّ عبد الرحمن موسوي التطوّرات الأخيرة للإسلام الجزائريّ في مُحاضرة أُقيمَت في مركز الأبحاث المغارِبيّة في الجزائر بمدينة وهران. إليكم مقطعًا هامًّا: «في الجزائر، يهتزّ المذهب المالكيّ، وهو المصدر الأساسيّ في مسائل الفِقه، بسبب موجة الصَحوة الإسلاميّة التي عَمَّت البلاد في الثمانينات، فمع السلفيّة - يستنتج عالم الأنتروبولوجيا -، نشهد لتأسيس جديد. لِـ «تفسير الحقبة الأولى». ويُلاحِظ المؤلِّف أنّ «كلّ ما عدا الأصول يُعتَبَر تاريخيًّا بحتًا»، مردِّدًا صدى قاعدة غالية على قلب هذا التيّار. وفي عودةٍ إلى مسيرة التنشئة الوهابيّة، يُطيل الكلام حول أعمال الإمام الألباني، التي يستحسنها السلفيّون. فأنصاره يعودون فقط إلى الكتاب (القرآن) والسُنَّة النبويّة طارحين جانبًا وبِضربة واحدة كلّ تفاسير وأحكام المذاهب الكبرى. ويتكلّم عبد الرحمن موسوي فيما بعد بِوفرة عن دور الإنترنت ومواقع المُفتين في حياة المسلمين المُعاصرين. حيث يبدو أنّ شيوخ التكونولوجيا قد أدركوا قدر فعاليّة شبكات الإنترنت في عمل الدعوة؛ وأسرعوا إلى المعركة التكنولوجيّة دون أيّ تعقيد، كما فعلوا مع باقة الأقمار الاصطناعيّة طارحين بضاعتهم في «الفقه الديجيتال». وأكَّدَ موسوي قائلا إنّه «من الممكن اليوم التواصل مع مُفتٍ من اختيارنا بواسطة الإنترنت للحصول على إسلام حسب الطَلَب (à la carte). فمع العولمة، بِتْنا نعيش في عصر القرية الكونيّة» (التقرير الإعلاميّ، رقم 515، كانون الثاني/يناير- شباط/فبراير، 24، 25).

 

جيل من الباحثين

في عام 1990، وفي عملٍ كان يستحقّ انتباهًا أكثر في الجزائر وخارجها، عارض رضا مالِك، وهو رجل سياسي جزائريّ هام (كان مفاوضًا في إيفيان، رئيس وزراء سابق، ألخ..)، بِقوّة «مفاهيم مُنحرفة يميل فيها الإسلام إلى اختزال نفسه في ارتداء اللباس التقليديّ وإطالة اللحية واستنكار التقدّم المُعاصِر، واستحسان بقايا الإقطاعيّة المضرّة والهَيْمنة الذكوريّة» (1) . «أن نكون أصيلين شيءٌ مُغايرٌ من الارتياح في تِرْداد ما نحن عليه من حالٍ، وهو سمة الحضارات المُتصلِّبة. يعني أن نَجْهدَ لإدخال المُختلف عنّا» (2) . «التملّق المزعوم لِلماضي هو من ابتكار الرجعيّين. إنّها إجابتهم الوحيدة على تحدّيات الحداثة: فالحضارات تموت بالتنكّر الوقح لِما هو جديد. والتواضع، في هذه الحالة، هو بعيد كلّ البُعد من أن يمثّل ذُلاّ، بل هو علامةُ تسامٍ تتقدَّم من خلاله الروح في التاريخ» (3) . إنّ موقفًا كهذا لمسلمٍ مُثقَّف هو في الوقت نفسه رجل سياسيّ لم يكن له، علينا قوله، التأثير الذي كان يستحقّه. من جهة أخرى يحدث الشيء نفسه - على سبيل المِثال - في تونس حيثُ أنَّ الجهود الكبيرة التي يقوم بها جيلٌ جديد من الباحثين لا تقدر على تخطّي نطاق الجامعات. أذكُر على سبيل المثال عبد المجيد الشرفي (الإسلام بين الرسالة والتاريخ، دار الطليعة، بيروت، 2008)، محمد الشرفي (الإسلام والحريّة. سوء التفاهم التاريخيّ، بترا للطباعة والنشر والتوزيع، عمّان 2008)، عبد الوهاب مديب (مرض الإسلام)، حميدي خميسي (الاستثناء الإسلامي)، يوسف صِدّيق (نحن لم نقرأ القرآن بعد) أو أيضًا محمد شريف فرجاني (السياسي والديني في الساحة الإسلامية). هناك مواقف مُشابهة في المغرب، مع عبده الفيلالي الأنصاري مثلاً (إصلاح الإسلام: مدخل إلى المناقشات المعاصرة) أو فاطمة المرنيسي (الحريم السياسي، النبيّ والنساء). وقد حاولَ الفرنسي من أصل مغربيّ رشيد بن زين أن يُقدِّم هذه التيّارات الجديدة في كتابه «مُفكِّرو الإسلام الجُدُد». إلى جانبِ هذه الشخصيّات الإسلاميّة المُعاصرة – والذين هم في معظمهم، يجب أن نعترف بِهذا، ذوي تنشئة فرنكوفونيّة - هناك اتّجاهٌ آخرُ يواجه هو أيضًا في الجزائر تصلّبَ التيّارات الأصوليّة. أعني التيّار المُتجذّر في التقليد الروحيّ الإسلامي، أي الصوفيّة. فبعد فترة إنكار لِحقّ هذه الاتجاهات في الوجود (سابقًا من قِبَل دولة جبهة التحرير الوطنيّ، ثمّ من قبل الإسلاميّين) أُعطيت اليوم في الجزائر لِهذه الحركات حريّة جديدة. يجدر القيام بِدراسة خاصّة لإبراز الموقع الذي تحتلّهُ هذه الحركة في التجدُّد الحاليّ لِلإسلام في الجزائر، كما في كلّ أرجاء المغرب العربيّ. فالعودة إلى التقليد، كما يُفسِّره الأصوليّون، يطعنها في الصميم هذا التيّار التقليديّ الآخر، أي الصوفيّة. وصراع العلماء في بداية القرن الماضي مع الطرق الصوفيّة وصراع الأصوليّة الجديدة يُصادم الآن الحاجات الروحيّة التي عبَّرَت عنها وتبنّتها الطرق الصوفيّة.


رضا مالك (1)، Tradition et Révolution, le véritable enjeu, Bouchène, Alger 1991
(ص 40)

نفس المراجعة (2) 
(ص 38)

نفس المراجعة (3)
(ص 35)
 

 

لاستشهاد بهذه المقالة

Henri Teissier, الأصليّ ضدّ الشعبيّ: حالة الجزائر , «Oasis» [أون لين], العدد التاسع | تمّوز / يوليو 2009, أون لين من 15 يوليو 2009 تمت زيارة الموقع في 09 فبراير 2012.
URL: http://www.oasiscenter.eu/node/4675