سينودس أساقفة خاصّ بالشرق الأوسط

Camille Eid  10/11/2009

إنَّ أقلَ ما يُقال عن قرار البابا بندكتس السادس عشر بشأنِ انعقاد سينودس أساقفة خاصّ بالشرق الأوسط في شهر أكتوبر من سنة 2010 إنّه اختيار يستقرأ المستقبل.
فقد شهدت الكنائس المختلفة في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة اضطرابات كثيرة (سلسلة طويلة من الحروب في الأراضي المقدسة، الحرب في لبنان والعراق، تصاعد التوتّرات السياسيِّة، الأصوليِّة المتنامية، الحالة الاقتصاديّة التى يُرثَى لها) ما يجعل من الضروريّ إيجاد وقت للتأمُلِ والتفكير.
في مجالات متعددة أصبحت حياةُ تلك الجماعات العريقة، التي كثيراً ما ساهمت في النهضة الثقافيّة والاقتصادية لأوطانها، هشَّة، وبدأت تتفاقم هنا وهناك أوضاعها كأقلِّية في ظلّ تدنٍّ مستمرّ للحريّة الدينيّة وحصرها في العبادة فحسب.
لقد تسبّبت تلك المشكلات في دفع الآلاف من العائلات المسيحيّة الشرق أوسطية إلى الاقتناع بصعوبة، إن لم تكن استحالةالتعايش فاختارت الهجرة.
إنَّ نتائج عدم الثقة تلك ماثلة أمام أعين الجميع، فمنذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم انخفضت النسبة المئوية لتعداد المسيحين بكلّ طوائفهم بشدّة: في لبنان من 51% إلى 36% من إجمالي عدد السكّان، وفي الأراضي المقدسة من 6,8% تَدَنَّت إلى 1,8% بينما في العراق من 3,2% أمست 1,4 %.
نلفت بالإضافة إلى ذلك إلى إنّ الكاثوليك في الكنائس المحليّة المختلفة هم أقلية داخل الأقليّة المسيحية، حيث أنّهم في مجملهم أقلّ منمليوني نسمة من بين أكثر من أحد عشر مليون مسيحيّ في المنطقة: مليون في لبنان، 350 ألف في العراق، 300 ألف في سوريا، 200 ألف في مصر، 62 ألف في إسرائيل، 45 ألف في الأردن و 20 ألف في الأراضي الفلسطينية.
منذ بضع سنوات تساءل جان بيير فالوني (JEAN–PIERRE VALOGNES) في مُؤلفه الضخم حياة وموت مسيحيّ الشرق: "هل سيكون ثَمّة وجود مسيحيّ في الشرق الأوسط في الألفيّة الثالثة؟" وأجاب المؤلف :" نعم بدون شكّ، لكن عددهم سيكون قليلا جداً لا يُذكر[...] إنّ أحد أطوَل الصراعات في التاريخ يُوشِك على الهزيمة".
إنّ المبادرة بعقد السينودس بمثابة مضادّ للتشاؤم المنتشر الذي يظهر كلّما طُرحَ مستقبل المسيحيّين في الشرق الأوسط، إنّها رجاءٌ جديد للمسيحيّة في مسقط رأسها، تمامًا كما تراءى للبابا يوحنا بولس الثاني بِبُعدِ نظره في سنة 1997 حينما أعطى إرشاده الرسولي للسينودس الخاصّ بلبنان العنوان الجريء" رجاء جديد للبنان "
شرح البابا في طيّات الإرشاد الرسوليّ قائلا:" كان لبنان مزعزعًا في كلّ مقوّماته، لذلك دعوتُ الكاثوليك المقيمين على هذه الأرض الى المباشرة بمسيرة صلاة وتوبة وارتداد تتيح لهم أن يتساءلوا أمام الربّ عن أمانتهم للإنجيل وعن التزامهم الفعليّ في اتّباع المسيح. وكان على الرعاة والمؤمنين، من خلال عودةٍ إلى الذات يقومون بها بوعي وإيمان، أن يتمكّنوا من تمييز أفضل وتحديد أدقّ للاولويّات الروحية والرعائيّة والرسولية التي عليهم تعزيزها في وضع البلاد الراهن ".
نفس المسيرة سيقترحُها البابا عاجلاً على كلِّ كاثوليك الشرق الأوسط، المدعوّين بدورهم إلى أن يسألوا أنفسهم عن المَغْزَى العميق لحضورِهم في المنطقة على ضَوْءِ الموضوع المُختار للسينودس " شَرِكَةْ وشَهَادَةْ"
من الصحيح أنّ ميراث الإيمان ، الذي عاشته وتعيشه الجماعات المسيحيّة الشرق أوسطية، حتى الاستشهاد غالبًا، سيكون تحت نظر الكنيسة جمعاء، غير أنّ البابا يطلب من تلك الجماعات ذاتها مجهوداً آخر. فالكنائس المحليّة ستكون مدعوّة خاصّة لجعل شهادتها للإنجيل ذات مصداقية أكبر تجاه المسلمين شركائهم في الوطن.
والكاثوليك، رغم عددهم الضئيل، قادرون على فعل الكثير بفضل نشاطهم الاجتماعيّ والتربويّ الذي لم يتناقص أبداً. يكفي التفكير في الشبكة الكبيرة من المدارس والمؤسّسات الكاثوليكيّة، من لبنان إلى مصر، المفتوحة أمام المسلمين بدون أيِّ تمييز والتي تساهم بقدر كبير في تقدّم المجتمع.
لمواصلة القيام بهذا النشاط، يحتاج الكاثوليك حاليًّا إلى أدوات جديدة يستطيع، كما نأمل، أن يمدّهم بها السينودس القادم..
وإحدى هذه الأدوات هي الشَرِكَةْ الأصيلة والثابتة فيما بينهم.
ففي مواجهة التحدّيات الحاضرة تصبح الكنائس المحلية في حاجةٍ ملحّة إلى شَهَادَةِ وَحْدَتِهِمْ في مهد المسيحيّة بدلاً من محاولة التركيز على تراثهم وتقاليدهم في بلدان الانتشار الجديدة.