أضواء على السينودس الأفريقي
سيادة المطران مارون لحَّام، أسقف تونس
تعدّدتِ الموضوعات المتداولة في قاعة السينودس، من قضايا لا تُعْنَى بحياةِ الكنيسةِ في أفريقيا فحسب، بل تشكّل تحدّيات للكنيسة جمعاء، إلى نقاط تطرح صعوبات، ولكن أيضًا إلى دوافع رجاء.
ومن بين الموضوعاتالتي عولجت الانتماءُ العرقيّ والقبليّ: فقد أكّد العديدون على أن صلة الدم والقبيلة والعرق ما زالت أقوى من الصلة الناجمة عن شراكة الإيمان ذاته بالمسيح.
فكثيراً ما نلمس هذا الأمر في العلاقات الاجتماعيّة وفي حياة الكنيسة وفي المصالحات بين الافراد والجماعة. وتتمثّل القبليّة على أرض الواقع في إساءات الى الثقافة وفي مبرّرات تُغطّي التصرّفات الخاطئة تحت ستار "الممارسات التقليديّة".
وكثيرا ما ينشأ صدامٌ بين الأعراف القبليّة والهويّة المسيحيّة، لذلك ينبغي العمل من أجل دعم التفاعل بين القيم الإيجابيّة لكليهما، تمامًا كما قال قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر : "يجب أن ينغرس الانجيل في الثقافة الافريقيّة وكذلك الثقافة الافريقية في الإنجيل".
هناك قضيّة أخرى حَظَت باهتمامِ السينودس وهي كرامة المرأة: فالمرأة لا زالت تَفْتَقِدُ الاعتراف بمكانتها الخاصّة في الكنيسة وفي المجتمع المدنيّ،
ولا زالت تنوء بالحمل الثقيل لبعض التقاليد العرقيّة المُجحفة في حقّها كتعدّد الزوجات والمعاملة السيّئة.
شأنٌ آخر شَغَل أعمال الآباء الاساقفة في السينودس ألا وهو التراجع المتعلّق بحماية العائلة التقليديّة التي لا زالت نقطة ارتكاز في أفريقيا بيد أنّها اصبحت مهدّدة من عدة جوانب: كالغزو الثقافيّ واستيراد نظريّات من أوروبا كـالجيندر من جهة، وانتشار الأيدز وأعمال الشعوذة من جهة اخرى.
أما الأطفال فلا يزالون الفئة الأكثر هشاشة وعجزاَ في المجتمع، فالحكومات تُخصِّص ميزانية بَخْسَة لأجلِ تعليمِهم في المدارس ويبقى الجَهد الأكبر على كاهلِ المدارسِ الكاثوليكيّة، هذا ولا تزال مفتوحة مشاكل الأطفال المُجَنَّدِين والعُمَّال القُصَّر والأطفال المنتهكين جنسياً والمُهمَلِين.
وقد تَعَرَّضّ المَجمَع لأمر يُسبِّب مشاكل كثيرة و يشملكل مظاهر الحياة الأفراد، ألا وهو الأعمال السحريّة والشعوذة، حتى وصل الأمر ببعض الكهنة والزهّاد المرابطين أن انساقوا لبعض الممارسات. وهي خطيرة جدًّا. ليس من النادر اكتشاف أنّ وراء بعض جرائم القتل معتقدات مجنونة
مستوحاة من بعض أعمال السحر تعتَقد بأنّ قتلَ شخص ما يسمح بالاستيلاء على روحه.
أما العلاقةُ مع الإسلام فقد كانت من أهمّ الموضوعات الأساسيّة التى نوقشت في السينودس، فقد جرى تبيان عدم وجود إسلام واحد متراصّ في أفريقيا، فالإسلام في شمال أفريقيا هو غيره في جنوب الصحراء الكبرى تمامًا وهو مختلف عن الإسلام في جنوب أو شرق أفريقيا. وهناك مناطق ينمو فيها الحوار وأماكن على العكس تتنامى فيها المخاوف تجاه الإسلام، ويظهر للعيان تأثير البلاد العربية وترويجها للدعوة الإسلاميّة في أفريقيا. في كلّ مرة كان يُثَارُ الحديث عن العلاقة مع الإسلام سواء في قاعة السينودس أو حتّى في أوقات الاستراحة بين جلسات السينودس كانت تنساب آراء واختبارات كثيرة متباينة.
كلّ القضايا التى أشرنا اليها سابقًا تزداد حدّة بسبب ما يعتبره البعضالمسألة رقم واحد في افريقيا، ألا وهي سوء الادارة السياسيّة للبلاد ممّا يعيق أيّ نموّ اقتصاديّ لقارّة فقيرة فيما هي في الوقت عينه غنيّة بالموارد الطبيعية. وقد اتّفق الأساقفة في ملاحظة على أنّ الحكّام والسياسيّين، وباسثناء بلدين أو ثلاثة، بعيدون عن الاهتمام بالخير العام لبلادهم، وكثيرًا ما يدعمون مصالح الشركات المتعدّدة الجنسيّة التي تستغل ثروات القارّة الطبيعيّة أكثر من اهتمامهم بمصالح بلدهم.
الرسالةُ الختامية للسينودس لم تخلُ من كلمات قاسية جدًّا تجاههم، واقترحت إنشاء مرشديّات روحيّة للطبقة الحاكمة التي تضمّ الكثير من الكاثوليك، والأهمّ أنّها وجّهت نداءً حارًّا لكلّ الأفارقة بأن يتدبّروا مصيرهم بأنفسهم, وبأن يُقبِلُوا على العمل من أجل العدالة و المصالحة والسلام، وأن لا ييأسوا لأنّ نعمة الله فائضة.
والحِكمَة الافريقيّة القديمة تَعْرِفُ هذا وتتناقله بشكل ما في القول المأثور الزائع."إنّ جيشًا منظّمًا من النمل يستطيع أن يهزم فيلا".