مع مطلع سنة 2000م استشهد 21 مسيحيًا بقرية الكشح (بصعيد مصر)، وتم تصوير الأمر كأنه مشاجرة عادية، ولم يُحكم على أي من المتهمين بأي حكم. وفي ليلة الميلاد (7 يناير 2010م) نجا الأنبا كيرلس أسقف نجع حمادي (بمحافظة قنا 700 كم جنوب القاهرة) من محاولة إغتيال، أسفرت عن مقتل ستّة أقباط وجندى حراسة مسلم، وإصابة تسعة أقباط بالرصاص بإصابات خطيرة عقب خروجهم من قداس منتصف الليل. ولكن كالعادة تم تصوير الأمر وكأنه ثأر وانتقام، وسرعان ما حاولت الأجهزة الحكومية المختلفة -من أمن وإعلام وبرلمان- ليّ الحقائق، كما سنرى لاحقًا، لكي يخرج الأمر وكأن شيئًا لم يكن. وترددت على ألسنة المسئولين الجملة الكارثية المعتادة:
كله تمام
و هي جملة بالعامية المصرية، وتعني بالفصحى: كل شيء على ما يرام.
والواقع يقول إن كل تلك الأسباب بالإضافة للأزمة الاقتصادية الخانقة وتأثير التيار الوهابي وأحداث ما بعد 11/ 9 ما هي إلا عوامل أساسية لإشعال الأحداث، ولكن يبقى السبب الرئيسي الوحيد في تراجع ثقافة التسامح والعيش المشترك في المجتمع المصري هو غياب الإرادة السياسية في وقف أي تحريض على العنف الطائفي.
فهل ستحتاج مصر لكارثة من هذا النوع حتى يتم الالتفات للعنف الطائفي الذي تتسارع وتيرته بشدّة الآن أم يمكن تدارك الموقف والتخلي عن سياسة التغطية وسياسة (كله تمام) والعمل بكل الجهد في سبيل تدعيم أسس المواطنة الكاملة الحاضنة لكل المصريين في وطن آمن يمارسون فيه حقوقهم الكاملة لكي يؤدوا واجباتهم على أكمل وجه.
فإن أي زائر لمصر يستطيع بمنتهى السهولة ملاحظة العلاقات الجيدة جدًا بين المسلمين والمسيحيين في الشارع المصري. ولكن بنظرة أكثر تعمقًا للسيكولوجية السلوكية لقطاع عريض من المصريين نجد أن هناك تحفزًا مكتومًا لدى الطرفين وترقب ينتظر الشرارة من أي مصدر تحريضي (رجل دين متطرف-إشاعات-تصفية حسابات- صراعات انتخابية- أوضاع دولية حرجة...)
وهذا هو ما تجلَّى في أحداث نجع حمادي حيث تحالف الجهل والتعصب مع صراع المصالح والفساد السياسي في تأجيج الغضب في النفوس ليتحول الأمر من مجرد شائعة اغتصاب إلى عمليات تدمير وقتل على الهوية.
ولمن لم تتح له الفرصة لمتابعة تفاصيل الجريمة الشنعاء فسنورد ملخصًا لها في عدة نقاط:
• تعود جذور التوترات في المنطقة إلى الخلاف بين السيد عبد الرحيم الغول (عضو البرلمان) ونيافة الأنبا كيرلس (أسقف نجع حمادي) الذي كان يؤيد منافسه في الانتخابات التشريعية ثم تزايد التوتر مع تعيين اللواء / مجدي أيوب (مسيحي) محافظًا لقنا (أفقر محافظات مصر ومن أكبر تجمعات الأقباط) ولكي يثبت نزاهته وعدم تحيزه لأبناء طائفته فقد رفض طلبات متعددة الترميم للكنائس الآيلة للسقوط أو التي تحتاج إلى إصلاحات (حيث يحتاج بناء كنيسة جديدة إلى قرار جمهوري أما التصريح بالترميم فيحتاج إلى قرار من المحافظ).
• في نوفمبر 2009 اتهمت عائلة مسلمة شابًا مسيحيًا باغتصاب ابنتهم في قرية فرشوط التابعة لمحافظة قنا (وهي تقع رعويًا ضمن إيبارشية نجع حمادي) ، وعلى الفور و دون انتظار نتائج التحقيقات قام الغوغاء بإحراق العديد من المتاجر والصيدليات المملوكة للمسيحيين في القرية، ورفضت الشرطة تحرير محاضر لإثبات وقائع الاعتداءات، كما تقاعست عن ردع المهاجمين.
• حاولت الأجهزة الأمنية إنهاء التوتر بجلسات الصلح العرفية (وهي جلسات لا تخضع للقانون وإنّما للتراضي بين الأطراف المتنازعة ويتم فيها عادة تنازل الطرف الأضعف عن حقوقه في مقابل عودة السلام للمنطقة) إلا أن الأنبا كيرلس رفض وبشدّة الصلح قبل تعويض المضارين عن الخسارة المادية على الأقل.
• ونتيجة لهذه الطلبات العادلة تلقى الأسقف رسائل تهديد قبل عيد الميلاد (7 يناير بالتقويم الشرقي) فرأى أن يتم الانتهاء من الصلوات مبكرًا ليلة العيد خشية وقوع أي حادث إذا ما خرج الأقباط من الكنائس بعد منتصف الليل كالمعتاد، وبالفعل إنتهى القداس في العاشرة مساءً مما جنب البلدة كارثة مروعة لو كان إنتهى في موعده وفي الساعة 11،30 مساءً وبعد خروج نيافته من الكنيسة توجه للمطرانية التي تقع في نفس الشارع الذي توجد به الكنيسة ففوجئ بصوت طلقات نارية فخرج يستطلع الأمر فوجد قتلى وجرحى عديدين ، وبعدها تم نقل الضحايا إلى المستشفى الرئيسي.
• في اليوم التالي (يوم العيد) تجمّع مئات المسيحيين الغاضبين وتمّت بعض أعمال التخريب ربما بسبب تأخر إجراءات خروج جثامين الشهداء من المستشفى وفي أثناء تشييع الجنازة قام الشباب المسيحي بترديد بعض الشعارات الدينية والهتافات المطالِبة بالعدالة والمساواة. وبالرغم من بشاعة الحادث تعرّض المشيعون لاعتداءات كثيرة وتم تخريب مساكن المسيحيين ومتاجرهم بقرية بهجورة القريبة.
• وفقًا للتحقيقات تمّ اتهام ثلاثة من معتادي الإجرام الذين سلموا أنفسهم بأنفسهم إلى الشرطة (وهو في حد ذاته أمر في غاية الغرابة) وأحد هؤلاء المتهمين يتمتع بعلاقة قوية مع السيد عبد الرحيم الغول (عضو البرلمان) والذي تدخل بصفة شخصية للإفراج عنه قبل الهجوم بأربعة أيام، ولكن سيادة النائب أنكر أي صلة له بالمجرم رغم وجود صور منشورة تجمعهما معًا..! و بعد زيارة النائب العام لموقع الحادث تم تحويل الثلاثة لمحاكمة عاجلة، ونفت التحريات وجود أيّ مُحَرِّض خلف المذبحة.
• تكفّلت وسائل الإعلام الحكومية بتصوير الحادث إنّه مجرد انتقام وثأر وليس له أي خلفية طائفية، في ذات الوقت أطلق الأنبا كيرلس تصريحات متشددة ولكنه تراجع عنها بعد ذلك حيث من الواضح أنه لا يجيد التعبير ولا الحديث أمام وسائل الإعلام المختلفة ودائماً ما يتطرف في رأيه سواء في التشدد أو التراخي تصريحات متشددة ولكنه تراجع عنها بعد ذلك حيث من الواضح أنه لا يجيد التعبير ولا الحديث أمام وسائل الإعلام المختلفة ودائماً ما يتطرف في رأيه سواء في التشدد أو التراخي، وتم تشكيل لجنة تقصي حقائق من المجلس القومي لحقوق الانسان تضم العديد من الشخصيات المحترمة وتضمّ النائبة جورجيت قلليني (مسيحية)، وهي عضو بالبرلمان وبالمجلس القومي لحقوق الإنسان.
• وكان من المتوقع صدور قرار اللجنة كالعادة بأن (كله تمام) إلا أن قلليني فجرت مفاجأة بكشفها الحقائق كاملة، بل وطالبت بإقالة المحافظ لكذبه وتصريحاته بأن الأقباط هم سبب الاضطرابات، وأنه قد تمت السيطرة على الوضع وعودة الهدوء إلى المنطقة بينما كانت قرية بهجورة تحترق. ونتيجة لذلك تعرضت النائبة لهجوم كاسح من البرلمان والمحافظ ووسائل الإعلام واتهموها بأنّها مُحَرِّضة على الفتنة، خاصة عندما أصرت على وجود محرض وراء الأحداث التي وصفتها بالطائفية، بينما يصرّ رئيس البرلمان ونوّابه أنها جنائية فقط..!
• فوجئ الجميع بالأنبا كيرلس يغيّر أقواله من النقيض إلى النقيض مما أثار ضده مشاعر الاقباط وذلك على خلفية اعتقال العشرات من المسيحيين من منازلهم أو من الشارع بدعاوى إثارة الشغب (وهي لعبة التوازنات الشهيرة التي يجيدها الأمن ويساوم الكنيسة في كل حادث لكي تغير مواقفها في سبيل الافراج عن الأبرياء).
• تفرغت الصحف الحكومية للتقليل من شأن الحادث ومهاجمة قلليني، بينما أبدع معظم الكتاب المستقلين في مواساة الأقباط والتنديد بالأحداث، والتحذير من القادم الأسوأ، بالإضافة للمراجعات الجادة التي قام بها مجموعة من المحللين السياسيين والكُتّاب ولكنها تبقى دون جدوى إذا بقيت حبيسة في الصحف والدوريات ولا يُلتفت إليها من قبل النظام الحاكم.
وحتى لحظة كتابة هذه السطور لا يزال المتّهم المسيحي قيد المحاكمة ولم تثبت عليه أي تهمة حتى الآن (وقد منعَت نقابة المحامين المحلية أي محام من الترافع دفاعًا عنه)، ولا يزال بعض الأقباط معتقلين، وينتظر المصريون محاكمة مرتكبي المذبحة، ويتردّد سؤال بريء في الشارع القبطي: هل سيتم تطبيق القانون هذه المرة أم سيُطلَق الجناة أحرارًا كما حدث في مذبحة الكشح من قبل؟ ولكن يبرز التساؤل الأهم: هل سيظلّ المحرِّض المجهول المعروف بعيدًا عن قبضة العدالة؟
وبعيدًا عن هذه الحادثة أو تلك فإنّ ما يهمنا بالأكثر في هذا المقال هو تأثير تلك المتغيرات على التركيبة الاجتماعية للسكان في مصر، ومِمّا لا شك فيه إن ارتفاع معدل الأحداث الإرهابية (من حادث واحد سنويًا عام 1971 إلى أكثر من حادث شهريًا عام 2009) قد دفع العديد من العائلات المسيحية في صعيد مصر والدلتا إلى ترك أرض أجدادهم والحياة في مناطق عشوائية على أطراف القاهرة الكُبرى أو الأسكندرية حيث المجتمعات الأوسع، مُشكِّلين أحزمة فقيرة ومتوترة طائفيًا، مرشحة للإنفجار في أي لحظة، الذي قد يحدث نتيجة لمحاولة بناء كنيسة أو لمغامرات غرامية لمراهقين أو خلافات تجارية، مما يجعل ظاهرة الهجرة الداخلية أو بمعنى أدقّ التهجير مُهَدِّد رئيسي للوحدة الوطنية بشكل أخطر بكثير من الهجرة إلى الغرب.
ونتيجة لشيوع مناخ عام من التمييز والاحتقان الطائفي منذ فترة الرئيس الراحل أنور السادات (1970-1981)، فقد لجأ الكثير من الشباب للهجرة إلى العالم الغربي واستقروا هناك وامتلأت الكنائس القبطية في الخارج بمئات الآلاف من المصريين من الجيلين الثاني والثالث للأقباط بالمهجر. وهؤلاء –وإن كانوا يفتخرون بمصريتهم– إلا إنهم في الوقت ذاته يتفاعلون مع ما يحدث لإخوانهم في مصر بطريقة قد تحرج القيادة السياسية المصريّة أمام الحكومات الأجنبيّة.
فبعد الحوادث الكبرى نجدهم يعبرون عن رأيهم وغضبهم بالطريقة التي تربوا عليها في المهجر مثل المسيرات السلمية وبيانات التنديد والمقالات التي توضح للعالم معاناة شريحة من المصريين في وطنهم، وغالبًا ما تحتوى تلك الفعاليات على نقد ثقيل للحكومة المصرية وهو ما يتم تفسيره في مصرعلى إنه إهانة للوطن وتلطيخ لسمعة البلاد في الخارج . ومن ثم تُكال للأقباط تهم العمالة والخيانة وأنهم ذريعة للتدخل الأجنبي الاستعماري وإلى غير ذلك من التهم المضحكة التى لا تفرق ما بين انتقاد النظام والتشهير بمصر، أو بين مطالب حقوقية والاستقواء بالأجنبي.
وبالرغم من انتشار الأُمّيّة، التي حولت نسبة كبيرة من المصريين إلى شعب عقله في أذنيه، إلا إن تأثير الدعاوى المتكررة لنبذ الأقباط لا يزال بعيدًا عن قلّة من المثقفين والكُتّاب، الذين عبّروا بكلّ قوّة عن خطورة الوضع الحالي في مصر، بالإضافة إلى بقايا الطبقة المتوسطة التي لا تزال تعيش على رصيد من ذكريات الماضي ورومانسيته حينما كانت مصر وطن مفتوح ليس فقط للمصريين ولكن لكل من يطلب الملجأ والأمان ( من أول السيد المسيح له المجد حتى ضحايا الإبادة الأرمنية في مَطلَع القرن العشرين).
إلى الآن لا تزال مصر في مأمن من أخطار الحرب الأهلية أو التطهير العرقي نتيجة لوجود عدّة صمامات أمان مثل روح المحبة المتبادلة بين المعتدلين، حكمة القيادات الدينية، الظروف الدولية وفوق ذلك كله قدرة الرئيس المصرى على التدخل الصارم والتي يستخدمها ببراعة.
ختامًا، إنّ عدم الصرامة في تطبيق القانون على المحرضين ومن بعدهم مرتكبي الاعتداءات هو سبب العنف الطائفي والأقرب للحدوث في حالة استمرار سياسة "كله تمام".
19 يناير 2010 م