الموضوع: ديمقراطيات وديانات

تَوجُّه ومسار جديدان لمنظمة اليونيسكو

Francesco Follo  20/05/2010

 مع تغيير الأمين العامّ تعيش منظّمة الأمم المُتَّحدة للتَربِيَةِ والعلوم والثقافة (اليونيسكو) مرحلة انتقال هامّة حاليًّا.
إنّها فرصة مناسبة تدعونا للنظر في نشأتها وتَطوّرها وفي كيفيّة تَحرّكها في توظيف الميزانيّات المختلفة المُتاحة.
يُذكَر أن اليونيسكو تأسّست في السادس عشر من نوفمبر/تشرين الأوّل عام 1945، لا لبناءِ قاعات مدرسيَّة في البلاد التي ترهقها الحروب والفقر، ولا من أجل ترميم المواقع الاثريَّة العالميّة، ولكن بالأحرى من أجل أهداف أكبر وأكثر طموحًا: بناء السلام في روح البشر من خلال التربية والعلوم والثقافة والاتصالات. ويُتَرجَم البحثُ عن السلام وبناؤه في عُرفِ هذه المنظّمة الدوليَّة قبل كلّ شيء في تخصيص الميزانيّات لبناء البنية التَحتِيَّة والخدمات، وفي تَنشِئَة الشعوب التي تسعى للخروج من دوَّامة العنفِ والانفتاح على التعاون.
في هذا السياق يُفهم جيّدًا سبب إعطاء المكانة الأولى والمرتبة الأهمّ في اليونيسكو لحماية الحقِّ بالتربية ودعمه.
في مواجهة الحالة الراهنة لدينا 776 مليون من البالغين الأميّين ومن بينهم 490 مليون امرأة، و75 مليون طفل لم يلتحقوا بالمدارس؛ ما يجعلنا نُدرك جيّدًا سبب زيادة اليونيسكو ميزانيّة العام 2010- 2011 لأجل قسم التربية بـ 7،8 % مقارنةً بالسنتين الماضيتين.
ويأتي في المرتبة الثانية تنشيطُ الدراساتِ العلميّة المُهتَمَّة تحديدًا بالتَغيّر المناخيّ ومشاكل المياه؛ حيث يتسبّبُ نقص المياه أو تلوّثها في وفاة حوالي ستَّة آلاف طفل في العالم وفي نشوب صراعات مسلّحة أيضًا في 52 منطقة من العالم.

نظرة إلى الميزانيات
بالنظر إلى البيانات الواقعيَّة في الميزانيات المُتَاحة وملاحظة التفاصيل وتوزيع الميزانيّات على أقسام النشاطات المُختلفة لليونيسكو، يمكننا أن نتوصّل لفهم أفضل لواقع نشاط اليونيسكو.
حَصَلَ قسمُ العلومِ الطبيعيّةِ على 59،9 مليون دولار للسنتين القادمتين، في حين خُصّصت لقسم الثقافة ميزانية 45،2 مليون موجَّهة ليس فقط لتنشيط المواقع الأثريَّة العالميّة بل أيضًا لتقديم برامج حوا الحوار بين الثقافات والأديان وجعلِ القناعات بالاختلافات الثقافية أكثر فعالية أيضًاً.
وتهدف الـ 33،4 مليون المُخصَّصة للاتصالات والمعلومات إلى دعم حرّيّة التعبير في وسائل الإعلام وكذلك إلى تيسير حيازتها من قبل الجميع، مع إشارة خاصّة إلى أولئك الذين يعيشون في البلاد النامية.
وحَصَل قسمُ العلومِ الاجتماعيّة والإنسانيّة على 29،9 مليون من أجل نهضةِ الدراسةِ حول كبرى التحدّيات الأخلاقيّة (بما فيها ما يخص أخلاقيّات علوم الأحياء، الـ bioetica) والاجتماعيَّة العالميّة. وإذا ما قورن بين الـ 191 مليون المخصَّصة للتربية وتلك المُعطاء للأربعة أقسام الأخرى (العلوم الطبيعيّة، العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، الثقافة، الاتصالات والمعلومات) فلا يُمكن تبيان الأولويُّة التي تعطيها اليونيسكو إلى التنشأة الإنسانيّة من خلال التربية بكلّ أبعادها.
بقيّة الميزانية مخصَّصة لمرتّبات العاملين والموظّفين
بيد أنّه من المثير للاهتمام معرفة أنّ المنظمة تحصل على 725 مليون دولار، وهو رقم أكبر من الـ 671 مليون الميزانيّة الاعتياديّة، كمساهمات خيريّة من البلدان ومن الشركات والمساهمين المانحين بصفة شخصيّة؛ وهذا يدلّ على قدر الثقة والتقدير من جانب المساهمين تجاه منظمة اليونيسكو.

المسار الجديد والاتجاه الجديد
الأمين العامّ الجديد، وتمّ انتخابها في 16 أكتوبر الماضي، ماذا سيمكنها أن تفعل بتلك الميزانية الإجماليَّة وقدرها 1.396 مليون؟
للوهلةِ الأولى يبدو أن هامش التغيير ليس كبيرًا، ولكن لحسن الحظّ إيرينا بوكوفا Irina Bokova ، السفيرة البلغاريّة السابقة لدى اليونيسكو تعرف تمامًا المنظّمة وتعرف آليّاتها وستعرف أن تكون رأسها المدّبر الجيّد.
من المؤكّد تقريبًا أنّ النظرة ستبقى موجَّهة نحو أفريقيا وستستكمل مساندتها للعمل من أجل إمكانيّة التساوي في منح الفرص بين الرجال والنساء وكونها من جنس النساء وتتمتّع بذكاء أظهرته في السابق سيمكنها ألا يُقلل دورها الإداري من مسؤوليّتها كمُدّبرة.
مثلا؟ سَبَق وتحرّكت ولا زالت تتحرّك كيما تزيد منظمة اليونيسكو من دورها كمؤسسة فكريَّة.
تجدرُ الإشارة أيضًا إلى أنّ الأمين العامّ ركّزت كثيرًا على أهمّيّة العمل من أجل "إنسانيَّة جديدة" وأعتقد أنّها لا تخون فكرتها ونيّاتها حينما تؤكّدُ على اعتبار أنّ الذي سيقوّي الخمس نشاطات لليونيسكو هو جَعلِها: معمل أفكار، منظمة قانونيَّة، مركز تبادل معلومات، منظمة تنهض بكفاءات الدول ومحفّز على التعاون الدولي.
بالنظرإلى الجدل الذي بدأ في ايطاليا وجمع التوقيعات لمناهضة قرار اليونيسكو لترشيح طهران كمدينة للفلسفة لعام 2010، يعرف الأمين العام لليونيسكو (كسكرتاريّة وكدول أعضاء) المساومة بمسألة التوافق مع الدول الأعضاء، على أيّ حال ينبغي التذكير بأنّ الأمر يتعلّق بقرار تمّ اتخاذه واعتُمد منذ سنوات بالإجماع، ومن المؤكّد أنّ القرارلا يمكن التراجع عنه؛ واضحٌ إذن أنّ الامين العامّ لا تتراجع عن كلمتها.

يتبع في النشرة القادمة.