يوم الثلاثاء 4 أيار/مايو، انطفأت عن عمر يناهز الـ74 عامًا، شعلة محمد عابد الجابري، أحد المفكّرين المعاصرين الأكثر غزارةً في الإنتاج وإثارةً للجدل في العالم العربيّ. انتشرت كتاباته في جميع أنحاء الشرق الأوسط منذ أكثر من عشرين عامًا، وهي لا تزال تُشكِّل مرجعًا للفلسفة العربيّة.
كخبير كبير في الفكر الإسلاميّ والعربي والغربيّ على حدّ سواء، يُعتبر الجابري المفكّر العربيّ الأوّل الذي أشرف على تفسير عضويّ للتُراث العربيّ الإسلاميّ. ورفض تفسير الفلسفة العربيّة الكلاسيكيّة كحلقة اتصال بسيط في تاريخ الفلسفة الغربيّة. أمّا بالمقارنة مع أعمال الكتّاب السابقين فإنّ تعقيدات تصميم الجابري واضحة، وهي ذات أساس متين من الناحية المنهجيّة وتبشّر بآفاق جديدة في دراسة الفكر العربي ، القديم منه والحديث. إنّ معرفة أعماله تؤدّي إلى طرح تساؤلات حول بعض الكليشيهات المتعلّقة بالتُراث العربيّ والمنتشرة في الغرب. كان فكر الجابري موضع العديد من الدراسات في البلدان العربيّة، في حين بقي مجهولا تقريبًا بالنسبة للجمهور الغربيّ. ومن بين الأسباب الرئيسيّة للاهتمام بالجابري معرفتُه العميقة بالفكر العربيّ الإسلامي وبالفكر الغربيّ على السواء، فهو كان أستاذ الفلسفة الإسلاميّة في جامعة الرباط منذ عام 1967، ولكنّه كان أيضًا واسع الاطّلاع على لفلسفة الغربيّة، بفضل حصوله على دكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون في الستّينات عرّفتهُ بالفكر الأوروبيّ المُدوَّن بالفرنسيّة.
تشكِّل أعماله الأدبيّة العديدة جزءًا من التقليدَين على حدٍّ سواء منذ البداية: بدءًا من مؤلّفه الأوّل الصادر عام 1971 والمخصَّص لابن خلدون، حيث حلّل أفكاره بِالطرق النقديّة المتّبعة في الثقافة الغربيّة، حتّى آخر أعماله في التفسير القرآنيّ حيث استخدم المؤلِّف كلّ المعارف التي اكتسبها من خلال دراسته للتفسير. عديدةٌ في أعماله الإشاراتُ إلى الكتّاب الغربيّين: علاوة على ذكر المفكّرين الكلاسيكيّين (كنت، هيغيل، ماركس، باشلار، هايدغير، إلخ)، تكثر أيضًا الاستشهادات بالدراسات الأنثروبولوجيّة (ومن بينها دراسات ليفي شتراوس)، ودراسات نخبة المستشرقين (غاردي، غابرييلي، واط وغيرهم).
اقترح الجابري في أعماله تصميمًا معقّدًا، فانطلاقًا من تحليل مكوّنات الفكر العربيّ يحاول المؤلّف رسم تاريخ الفكر في العالم العربيّ والإسلاميّ، مسلّطًا الضوء على الإشكاليّات ونقاط القوّة والتأثيرات الخارجيّة. علاوةً على ذلك، اهتمَّ الجابري بِإعادة التأمّل النقديّ بتُراث هو، أي التُراث العربيّ الإسلاميّ، وبعلاقة الإنسان العربيّ به. وموضوع العلاقة بين العربيّ المسلم وتُراثه هو أحد المواضيع الرئيسيّة في الفكر العربيّ المعاصر، على الرغم من أنّه معروف في الغرب في مظهر الفكر الأصوليّ فقط. ينشأ من هذا التفكير عمل الجابري الأدبيّ الأروع: "نقد العقل العربيّ"، الذي قضى في إعداده نحو عشرين عامًا (1984-2001 ، أربعة مجلّدات). وقد جعل هذا العمل الجابري مشهورًا في كافّة أنحاء العالم العربيّ، وأدّى إلى نقاش فكريّ لم يهدأ بعد. وبغضّ النظر عن الآراء التي يحتويها العمل، وبعضها تعرّض لانتقادات لاذعة، لا يزال نقد العقل العربيّ يمثّل حجر الزاوية في الفكر العربيّ الإسلاميّ المعاصر، حيث يقدم في هذا المؤلَّف قراءته في التُراث النظري الجدليّ العربيّ الإسلاميّ بطريقة عضويّة ومتماسكة.
ويكمن فضل الكاتب الكبير في أنّه عرف كيف يطرح أفكارًا مُبتكَرة مدعومة بأسلوب صارم ونهج قائم على أُسُس علميّة. وعلى سبيل المثال ، نذكر الفكرة الجابريّة حول التعايش بين ثلاثة نُظُم معرفيّة مختلفة داخل الثقافة العربيّة الإسلامية، أو معارضته المدعومة بأسباب حول اعتبار الفلسفة العربيّة الكلاسيكيّة مجرّد حلقة اتصال في تاريخ الفلسفة الغربيّة. هذا وقد أثارت فرضيّته حول دخول الحضارة العربيّة الإسلاميّة في أزمة أخلاقيّة، عند وفاة الرسول، لم تخرج منها بعد حسب المؤلّف، انتقاداتٍ قويّة حتّى الآن. وقد انتقد الكثيرون تفسيره للقرآن، رغم صلاحيّته تاريخيًّا، إذ يتعارض جزئيًّا مع الشعور المشترك للكثيرين من المسلمين.
لم يدّخر المُجحفون أيّ انتقاد له على مستوى المنهج - لا سيّما طرابيشي، أبي نادر وعبد الرحمن - ولا على مستوى المضمون. وتبدو قراءته لتاريخ الفلسفة العربيّة، على وجه الخصوص، غير مُقنعة، إذ هي جذريّة وصارمة للغاية في مقولاتها. كما أنّ ثمّة ملاحظة أخرى تصيب في الصميم ألا وهي محاولة الكاتب التقليل من دور العالم المسيحيّ داخل تاريخ الثقافة العربيّة الإسلاميّة الكلاسيكيّة.
رغم هذا كلّه يبقى الجابري مُفكِّرًا أساسيًّا في إطار الفكر العربيّ المعاصر، كما يتبيّن أيضًا من التأثير الهامّ الذي مارسه فكره ولا يزال على أجيال عديدة من المفكّرين العرب.