الأمل هو أن تتمكّن أخيراً الأحزاب الرئيسيّة العراقيّة، بعد عيد الفطر، من الخروج من المأزق الطويل الذي يشلّ العمل السياسي العراقي منذ الانتخابات الأخيرة. فمنذ آذار الماضي حين أُُجريت الانتخابات السياسيّة العامة يعيش البلد حالة من الجمود بسبب عجز الطرفين "الفائزين" في الانتخابات على التوصل إلى اتّفاق بين رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي ورئيس الوزراء نور المالكي.
يقود الأول القائمة العراقيّة، التي برزت كأكبر حزب، ولو بفارق مقاعد ضئيل، وقد قدّمت برنامجاً سياسيّاً علمانيّاً ومضاداً للطائفيّة. أما نور المالكي، رئيس الوزراء المنتهية ولايته، فيعتبر بأنه يملك فرصاً أفضل لتشكيل الحكومة ويتّهم علاوي بأنه لا يمثّل سوى مصالح الطائفة السّنة وأنصار النظام السابق، مرشّحاً نفسه على أنه يضم التشكيلة الوحيدة القادرة على الوساطة بين الطوائف الثلاث الرئيسيّة: الشيعة والسنّة والأكراد. ومما يزيد الوضع تعقيداً المصالح الخاصة والمعارضات المتقاطعة وانحيازات التحالفات الانتخابيّة الأخرى ومن بينها تحالف الأكراد والتجمّع الشيعي الآخر الذي يضم "المجلس الإسلامي الأعلى العراقي" – الذي خرج من الانتخابات مهزوماً – والشيعة المتشدّدين بقيادة مقتدى الصدر. المأزق بات ينعكس سلباً على صعيد الأمن (مع ازدياد العنف والهجمات الإرهابيّة)، والاقتصاد وإعادة الإعمار (المتعثّرة حتى الآن) ويولّد تباعداً متزايداً بين "البلد الفعلي" – الذي يفتقد إلى الحاجات الأساسيّة (نقص في المياه وانقطاع التيار الكهربائي) ويعاني من ارتفاع معدّلات البطالة أو البطالة الجزئيّة – والبلد السياسي. هناك مزحة متداولة كثيراً في بغداد في هذه الأيام تصف الحالة السياسيّة بهذه الكلمات: "اليوم أسوأ مما كان عليه منذ شهرين وأفضل مما سيكون بعد شهرين".
إنها نظرة متشائمة تعكس هشاشة التنظيم المؤسّساتي والسياسي العراقي الجديد قد تُعطي صورة خطيرة عن تُنسي كل ما أنجز في السنوات الأخيرة فيما خصّ مقاومة الجهاديّين بقيادة القاعدة، والميليشيات الأصوليّة، ومختلف المعارضين أو حتى عصابات السرقة. لا شك أن القوى الجهاديّة باتت تبدوا مهمّشة وعاجزة عن إسقاط النظام المؤسّساتي الجديد الذي قام بعد صدّام، بالقوّة. لكن يبدو واضحاً كيف أن عدم الاستقرار السياسي يسهّل ازدياد الاعتداءات وأعمال العنف، التي غالباً ما تُستعمل صلفاً إما من قبل السياسيّين العراقيّين إما من قبل البلدان الإقليميّة المجاورة. في حال تأصّل المأزق بين المالكي وعلاوي، فالنتيجة قد تكون ولادة سُلطة تنفيذيّة تُعهد إلى شخصيّة أدنى مُعرّضة لعدم الحصول على غالبيّة أكيدة والتي قد يتحتّم عليها التصدّي لتطرّف جديد للتوتّرات العرقيّة الطائفيّة.
قي هذا السيناريو، قد يسعى التحالف الكردي إلى إضعاف ارتباطاته بالمركز، فيُبرز الاستقلال المُقنّع للمحافظات الكرديّة. مما قد يدهور العلاقات الكرديّة العربيّة في المناطق المُختلطة (الموصل وكركوك بالدرجة الأولى) وقد يؤدّي إلى مزيد من تدخّل البلدان المجاورة، التي – وإن اختلفت الأسباب – لا تريد تفتيت البلاد (حتى ولو اتّبعت منذ سنوات سياسات تقوّض توطيد النظام السياسيّ الجديد ما بعد صدّام). إنه وضع خطير للغاية قد يؤدّي إلى انقلابات عسكريّة، خاصةً بعد رحيل آخر الجنود الأمريكيين المرتقب في النصف الثاني من عام 2010.
أما الحل الذي ينشده الكثيرون – خاصة في واشنطن – يتمثل في تأليف حكومة تقوم على تحالفات واسعة، مع اتّفاق بين المالكي وعلاوي يقرّ توزيع السلطة السياسيّة ويتيح التغلّب المؤقت على المعارضة السياسيّة.
على أيّة حال، لا بدّ من إصلاحات دستوريّة أساسيّة تعيد توازن السلطات بين أجهزة الدولة التي هي الآن في مصلحة رئيس الوزراء. كذلك لم يعد مقبولاً تأجيل قرارات منتظرة منذ خمس سنوات، كقانون توزيع عائدات النفط بين المركز والضواحي، واتّفاق حول "المدن المتنازع عليها" بين الأكراد والعرب (كركوك والموصل) وقدر أكبر من الحماية للأقليّات. ومن بينها المسيحيّين، الذين يتعرّضون منذ سنوات لشتى أنواع العنف الوحشي والإذلال مما يهدّد بمحو أقدم طائفة موجودة في العراق: من دونها سيخسر البلد جزءاً من ذاته.