الجدلية ما بين الأكثرية والأقلية البابا يخاطب الإسلام سوريا: وسط المسيحيين الفارين من العراق , «Oasis» العدد الأول (2005)

نشأة الواحة، واقع ووسيلة

 قبل بضعة سنوات وخلال لقائي بعدد من الأساقفة الكاثوليك من دول إسلامية برزت حاجة ماسّة لتوفير وسائل ثقافية مناسبة لدعم المسيحيين في تلك البلاد. فمعظم مؤلفات بعض المفكرين مثل "غوارديني" و"دي ليباك" و"غيتون" و"لويس" ليست متوفرة بالعربية وبقيت لذلك قراءتها صعبة المنال.
هناك طبعا بين متوسطي التعليم من يستخدم الانكليزية والفرنسية ولكنّ هاتين اللغتين الغربيتين لا توفران بسهولة عملية الانصهار الضرورية للإيمان في الثقافة المحلية، فاللغة ليست أداة التفاهم فحسب بل هي أيضا وسيط لا غنى عنه للمقارنة وعامل أساسي لإضفاء طابع شخصي وللشراكة الروحية يصعب من دونه تجسيد الإيمان و خاصة تكوين الكنيسة.
في السادس من أيار عام ٢٠٠١ وبمناسبة لقاء البابا بالمسلمين في باحة الجامع الأموي في دمشق قال البابا "يُكـِنّ المسلمون والمسيحيون على حد سواء المحبة لأماكن عبادتهم بصفتها واحات يلتقون فيها بالله الرحيم على طول الدرب نحو الحياة الأبدية وبإخوتهم وأخواتهم من خلال رابط الدين". إن صورة "الواحة" كمكان للراحة والسكينة والسلام يسمح باللقاء مع الله ومع إخوتنا قد أعطت توجيها دقيقا لعملنا.
من هذين الحدثين تشكلت لدينا رويداً رويداً فكرة إنشاء هذه الوسيلة: مجلة الواحة.
وهكذا ازداد هدف المجلة الأصلي وضوحاً ألا وهو إرواء التعطش الثقافي لمسيحيي البلدان ذات الأغلبية الإسلامية.

كان أول توسع في أهداف المجلة من الناحية الكميّة والجغرافيّة من خلال إضافة اللغة الأوردية نظرا لانتشارها، لا سيما في الباكستان. وتبين أن هذا القرار هو عبارة عن حل وسط واقعي بين التطلع المثالي إلى نشر المجلة على نطاق واسع وبين الإمكانيات المتوفرة حالياً دون أن يعني ذلك الاستغناء عن إضافة لغات أخرى (مثل الإندونيسية) في المستقبل.
عندما بدأ تـقنيو التحرير عملهم توصلنا بتدرج إلى توسع آخر، إذ تبين لنا، وعند تفحصنا لمتطلبات القراء، فائدة إصدار أربع طبعات ثنائية-اللغة وهي: الإيطالية-العربية، والفرنسية-العربية، والانكليزية-العربية، والانكليزية-الأوردية ما أدى إلى تحديد الهدف النوعي للمجلة. واكتشفنا أنه يجب على"الواحة" أن تشجع التبادل اللاهوتي-الديني بين المسيحيين (دون استثناء أصحاب الديانات الأخرى) في المناطق الأوروبية الناطقة باللغات الانكليزية والفرنسية والإيطالية والمسيحيين القاطنين في مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الناطقة بالعربية وفي المناطق الأوردية .
تستطيع الواحة بصفتها وسيلة تعبير أن تساهم في خلق حالة شراكة بين مجموعة تتألف من مسيحيي الغرب والشرقين الأوسط والأقصى وإفريقيا مما سيؤدي الى إصغاء أحدنا للآخر والتعرف إليه وفهمه كما وسيؤدي الى نتيجة مهمة تتلخص في مساعدتنا على التعامل مع "ظاهرة الإسلام" وظاهرة الديانات الكبرى بشكل عام.
وفي نفس الوقت تمنح هذه الوسيلة فرصة لتربية الذين اقتبلوا سر العماد القاطنين في الدول ذات الثقافة المسيحية على التلاقي مع المسلمين وأتباع الديانات الأخرى الذين يعيشون بأعداد كبيرة في أوروبا وفي أمريكا الشمالية والجنوبية.
وإذا لم نكن في وارد الرضوخ إلى الإغواء "الثقافي" الذي يَعتبر كافياً توفيرَ وسائل التفسير، فإن المجلة لا يمكنها إلا أن تكون تعبيراً عن مجموعة مصمّمة على السير في طريق العمل المشترك.
وتتكون هذه المجموعة بشكل أساسي من اللجنة الراعية للمجلة واللجنة العلمية وهيئة التحرير والمعهد المرقسي العام وهي هيئة تابعة لكنيسة البندقية التزمت برعاية المشروع بشكل مباشر.

 
وباختصار تودّ الواحة أن تصبح التعبير الثقافي لشبكة علاقات تمخضت عن الشراكة الكاثوليكية ويكون بمقدورها تحمّل المسؤوليات والواجبات التي يواجهها اليوم المؤمنون المسيحيون بسبب العلاقة الضاغطة بإطراد بين الشرق والغرب. وتعترف الهوية الكاثوليكية للمجلة بالحركة المسكونية وبلاهوت الأديان وبالحوار بين الأديان وبالانفتاح على كافة الثقافات، وهي نواحي متأصلة بطبيعة المجلة لا غنى عنها.

ولا يخفى على أحد أن الوضع الجيوسياسي العام، وابتداء بالشرق الأوسط وبالدول ذات الأغلبية المسلمة، قد تدهور بشكل ملحوظ منذ عام ٢٠٠٠، فخطورة الأزمة الدولية التي سببها الإرهاب والحرب ظاهرة للعيان. وفي العديد من الدول تمر الجماعات المسيحية بأوقات عصيبة.
إننا على قناعة تامة بأن الواجب الذي يحظى بالأولوية الغير قابلة للتأجيل هو محاولة معرفة الوضع وفهمه. في الواقع أن تعقيدات الوضع الحالي التاريخي والكنيسي واضح للعيان ولم يعد بالإمكان تعريفه بشكل كاف فقط من خلال نظرية المواجهة بين الأصول العرقية والثقافات والأديان. وبات من الضروري العمل معا لتحديد أبعاد أخرى لفهم مغزى ذلك الاختلاط غير المسبوق بين الشعوب.
وإذا ما قُيّض لنا أن نستخدم تعبيرا مجازيا جريئا لتكلمنا عن نوع من "خِلاسية الحضارات" يفرض نفسه كيلا يتحول اللقاء إلى صدام حتمي.
ونعني مجازا بالخلاسية الثقافات والحالات الروحية الناتجة عن الاحتكاك بين حضارات مختلفة. ففي نهاية المطاف تجمع بيننا الطبيعة البشرية التي تعتمد عليها تلك العائلة الكبرى التي تضم كافة الشعوب.
نعتقد شخصيا أن مفاهيمَ ذات طابع غربي مثل المعاملة بالمثل والتسامح والاندماج تبدو غير كافية، ليس بسبب القيم التي تستحضرها ولكن بسبب ما لا يمكنها التعبير عنه. وعند فحصها بتمعّن يتضح لنا أنها مفاهيم قد تعشّش فيها، وخاصة في الغرب، فكرة عدم تعريض حرية الأفراد وتنظيم الشعوب للمخاطرة بنفسها. وقد تكون هذه المفاهيم ضرورية لتحديد أطر بقاء البشرية، ولكنها لا تفيد في إرساء أُسس التداخل الكوني الجديد هذا والذي سوف يحتاج لنظام جديد ولحكم عالمي جديد. وكان المفكر الثاقب النظر لويس قد أكد، ولو في سياق مختلف، أن "المساواة تحمي الحياة ولكنها لا تغذيها، وأنها دواء ولكنها ليست بغذاء". فالكلام وحده عن التسامح والمعاملة بالمثل والاندماج لا يكفي.
يظهر لنا أنه من الضروري إدخال مفهوم آخر ألا وهو الشهادة الحية فهي تدعو كافة الرجال والنساء إلى المجازفة بأنفسهم وإلى دفع الثمن شخصيا وإلى عدم اتخاذ قرار مسبق إلى أي مدى يمكنهم الوصول في اللقاء والحوار.
ولكن يجب ترجمة الشهادة الى صيغ واقعية ذات طابع ثقافي واجتماعي وسياسي بهدف الحياة الهانئة للشعوب ولخير الكنيسة. فتلك أهداف يجب السعي لتحقيقها دون اللجوء إلى أفكار خيالية وثقافية بحتة.

إننا جد مدركون جرأة مشروعنا هذا ولكننا على ثقة تامة من نجاحه.
 

Pour citer cet article

Angelo Scola, نشأة الواحة، واقع ووسيلة , «Oasis» [en ligne], العدد الأول | يناير/كانون الثاني 2005, en ligne le 15 janvier 2005 consulté le 05 février 2012.
URL: http://www.oasiscenter.eu/node/3264