المزمور 23 - تعليم 5 أكتوبر (تشرين الأوّل) 2011

إخوتي وأخواتي الأعزّاء،

يستتبع التوجّه إلى الربّ في الصلاة فعلَ ثقةٍ جذريّ، في وعيٍ منّا بالاتّكال على الله الذي هو صالح، «رحيم ورؤوف، طويل الأناة كثير الرحمة والوفاء» (سفر الخروج 34، 6-7 ؛ مزمور 86 ، 15؛ سفر يوئيل 2، 13؛ سفر يونان 4، 2؛ مزمور 103، 8؛ مزمور 145، 8؛ سفر نَحَميا 9، 17). لهذا السبب أودّ اليوم أن أتأمّل معكم مزمورًا مفعمًا كلّه بالثقة، يُعرب فيه صاحبه عن يقينه الهادئ بأنّ هناك من يقوده ويحميه، ويضعه في مأمن من أيّ خطر، لأنّ الربّ هو راعيه. إنّه المزمور 23 – 22 حسب الترقيم اليونانيّ اللاتينيّ - وهو نصّ يألفه ويحبّه الجميع.

«الربّ راعيَّ فما من شيءٍ يعوزني»: هكذا تبدأ هذه الصلاة الجميلة، مستذكرة الجوّ البدويّ لرعي الغنم وخبرة المعرفة المتبادلة القائمة بين الراعي والخراف التي تشكِّل قطيعه الصغير. تذكِّر الصورة بجوّ الثقة والإلفة والحنان، فالراعي يعرف خرافه الصغيرة فردًا فردًا، ويدعوها باسمها فتتبعه لأنّها تعرفه وتثق به (يوحنّا 10، 2-4). إنّه يعتني بها، ويحرسها كأملاك ثمينة، وعلى استعداد للدفاع عنها، وضمان رفاهيّتها، وجعلها تعيش في سلام. لا شيء ينقص إذا كان الراعي معها. يشير صاحب المزمور لهذه الخبرة، مسمّيًا الله راعيه، ومسلِّمًا أمره لقيادة الله نحو مراعٍ آمنة:

«في مراعٍ نضيرة يُريحني.
مياه الرّاحة يورِدُني،
ويُنعش نفسي،
وإلى سُبُل البرِّ يهديني
إكرامًا لاسمه» (آيات 2-3).

إنّ الرؤية التي تنفتح على أعيننا هي المراعي الخضراء وينابيع المياه الصافية، واحة سلام يرافق الراعي القطيعَ نحوها، إنّها رموز أماكن الحياة يقود الربّ إليها صاحبَ المزمور. إنّه يشعر بأنّه كالخراف المستلقية على العشب لقرب النبع، في وضع استراحة، وليس في توتّر أو في حالة تنبّه، بل واثقة وهادئة، لأنّ المكان آمن، والمياه عذبة، والراعي يسهر عليها. وعلينا ألاّ ننسى هنا أنّ المشهد الذي يستذكره صاحب المزمور يقع وسط أرض يغلب عليها الطابع الصحراويّ، وتضربها الشمس الحارقة، حيث يعيش الراعي شبه الرحّال مع قطيعه في السهوب القاحلة التي تنبسط حول القرى في الشرق الأوسط. لكنّ الراعي يعرف أين يجد العشب والمياه العذبة، الضروريّة للحياة، ويعرف كيف ينقلها إلى الواحة حيث "تنتعش" النفس ومن الممكن استعادة القوى والطاقات الجديدة لمتابعة الدرب.

كما يقول صاحب المزمور، يقوده الله نحو «مراعٍ نضيرة» و «مياه الراحة»، حيث كلّ شيء وافر، كلّ شيء مُعطى بغزارة. إذا كان الربّ هو الراعي، حتّى في الصحراء، مكان الغياب والهلاك، فلا يغيب اليقين حول وجود جذريّ للحياة، بحيث يمكنه أن يقول: «ما من شيء يعوزني». فالراعي يهمّه أمر قطيعه، ويُلائم وتيرة حياته واحتياجاته الخاصّة مع وتيرة قطيعه واحتياجاته، ويسير ويعيش مع خرافه، ويقودها على دروب “البِرّ”، أي الملائمة لها، مع الاهتمام باحتياجاتها وليس باحتياجاته هو. فسلامة قطيعه تأتي على رأس أولويّاته وهو ينصاع لهذا الأمر حين يقودها.

إخوتي وأخواتي الأعزّاء، نحن أيضًا، مثل صاحب المزمور، إذا سرنا وراء "الراعي الصالح"، ومهما بدت دروبُ حياتنا صعبة متعرّجة أو طويلة، وغالبًا أيضًا في مناطق صحراويّة روحيًّا، من دون ماء وتحت شمس العقلانيّة الحارقة، فإنّنا متأكِّدون من أنّنا نسير، تحت قيادة الراعي الصالح، المسيح، في طرق “البِرّ”، ومن أنّ الربّ يقودنا وأنّه قريب منّا دومًا ولن يعوزنا شيء.

لهذا السبب يمكن لصاحب المزمور أن يعلن بهدوء وأمان دون شكّ أو خوف:

«إنّي ولو سرتُ في وادي الظلمات،
لا أخاف سوءًا لأنّك معي.
عصاك وعكّازك
يُسكنان روعي» (الآية 4).

مَن يذهب مع الربّ فهو حتّى في أودية الألم المظلمة وعدم اليقين وكلّ مشاكل البشريّة، يشعر بالأمان. «لأنّك معي»: هذا هو يقيننا، وما يسندنا. فظلام الليل يخيف، بظلاله المتبدّلة، وصعوبة تمييز المخاطر، وصمته المليء بالجلبة غير المفهومة. إذا تحرّك القطيع بعد غروب الشمس، عندما تصبح الرؤية غير واضحة، فمن الطبيعيّ أن تضطرب الأغنام، إذ هناك خطر التعثّر أو الابتعاد والضياع، وهناك أيضًا الخوف من مباغتة مُعتدين مُحتمَلين يختبئون في الظلام. يستخدم صاحب المزمور، للحديث عن الوادي "المظلم"، تعبيرًا عبريًّا يستذكر ظلمات الموت، فالوادي الذي ينبغي عبوره هو مكان ضيّق تحيط به تهديدات مخيفة، وخطر الموت. ومع ذلك، فالمصلّي يتقدّم بأمان، دونما خوف، لأنّه يعلم أنّ الربّ معه. ذاك الـ «لأنك معي» هو إعلان ثقة لا تتزعزع، وهو يلخِّص خبرة الإيمان الجذريّ؛ تُحوّل مقربة الله الواقع، ويفقد وادي الظلام كلّ خطورته، فيخلو من أيّ تهديد. يستطيع القطيع أن يسير الآن بطمأنينة، يرافقه صوت العصا المألوف التي تضرب الأرض مشيرةً إلى الوجود المُطَمئِن للراعي.

تختتم هذه الصورة المُريحة الجزء الأوّل من المزمور، وتفسح المجال أمام مشهد مختلف. نحن ما زلنا في الصحراء، حيث يعيش الراعي مع قطيعه، ولكّننا الآن نُنقل إلى تحت خيمته، التي تنفتح للاستضافة:

«تُعِدُّ مائدةً أمامي،
تجاه مُضايقيَّ،
تُطيِّب رأسي
فتفيض كأسي» (آية 5).

الآن يُقدَّم الربّ كمن يستقبل المصلّي، مع دلالات ضيافة مليئة بالاهتمامات. فالمضيف الإلهيّ يُعدّ الطعام على “المائدة”، وهو مصطلح يشير في العبريّة، بمعناه الأصلي، إلى جلد حيوان كان يُلقى به على الأرض وكانت توضع عليه مأكولات الوجبة المشتركة. إنّها ليست علامة تقاسم للغذاء فحسب، بل أيضًا للحياة، في تقدمة شراكة وصداقة تخلق روابط وتُعرب عن التضامن. ومن ثُمّ هناك الهبة السخيّة، الزيت المعطّر على الرأس، ما يخفِّف من حدّة شمس الصحراء، ويرطِّب الجلد ويلطِّفه ويبهج الروح برائحته العطرة. وأخيرًا، تضيف الكأس التي تفيض علامةَ العيد، بخمرها اللذيذ، الذي يوزَّع بكرم وفير. طعام وزيت وخمر: إنّها الهبات التي تُحيي وتفرّح لأنّها تتجاوز ما هو ضروريّ وتعرب عن مجانيّة المحبّة ووفرتها. يعلن المزمور 104، محتفلاً بطيبة عناية الربّ الإلهيّة: «تُنبِتُ للبهائم كلأً، ولخدمة البشر خُضَرًا. لإخراج خبزٍ من الأرض، وخمرٍ تُفرِّح قلب الإنسان. لكي يُنضِّر الزيت الوجوه، ويسند الخبز قلب الإنسان» (آيات 14-15). إنّ صاحب المزمور لهو موضع اهتمام كبير، لذلك يرى نفسه كمسافر جوّال يجد له ملجأً تحت خيمة مضيافة، في حين يجب على أعدائه أن يتوقّفوا ليتطلّّعوا، وهم غير قادرين على التدخّل، لأنّ مَن كانوا يعتبرونه فريستهم قد وُضِع في برّ الأمان، لقد أصبح الضيف المقدّس، الذي لا يُمَسّ. وصاحب المزمور هو نحن إذا كنّا حقًّا مؤمنين بالشراكة مع المسيح. عندما يفتح الله خيمته لاستقبالنا، لا أذى يصيبنا.

وعندما يرحل المسافر، تستمرّ الحماية الإلهيّة وترافقه في ترحاله:

«الخير والرحمة يلازِماني
جميعَ أيّام حياتي،
وسُكناي في بيت الربّ
طوال أيّامي» (الآية 6).

إنّ خير الله ورحمته هما الحراسة التي ترافق صاحب المزمور عندما يخرج من الخيمة ويتابع سيره. لكنّ المسيرة تكتسب معنىً جديدًا، وتصبح حجًّا نحو هيكل الربّ، المكان المقدّس حيث يريد صاحب المزمور أن “يسكن” إلى الأبد، وإليه يريد أيضًا أن “يعود”. الفعل العبريّ المُستخدَم هنا له معنى “يعود”، ولكن بتغيير بسيط في التشكيل، يمكن أن يُفهم بمعنى “يسكن”، وهكذا بدا في الترجمات القديمة وفي أغلب الترجمات الحديثة. يمكن الحفاظ على حدٍّ سواء على المعنيَين: العودة إلى الهيكل والسكن هناك هي رغبة كلّ يهوديّ، والسكن بالقرب من الله في قربته وطيبته هو شوق كلّ مؤمن وحنينه: إنّه يحنّ إلى أن يعيش حيث هو الله، قرب الله. السير وراء الراعي يقودنا إلى منزله، هذا هو هدف كلّ مسار، واحة مرغوبة في الصحراء، خيمة ملجأ لدى الهروب من الأعداء، مكان السلام حيث يمكن اختبار الصلاح والمحبة الأمينة لله، يومًا بعد يوم، في فرح هادئ لزمن لا نهاية له.

لقد رافقت صُوَرُ هذا المزمور، بغِناها وعمقها، كلّ تاريخ شعب إسرائيل وخبرته الدينيّة وهي ترافق المسيحيّين. وتستذكر صورة الراعي، على وجه الخصوص، الزمن الأوليّ للخروج، والرحلة الطويلة في الصحراء، كقطيع تحت قيادة الراعي الإلهيّ (راجع أشعيا 63، 11-14؛ مزمور 77، 20-21 ؛ 78، 52 -54). وفي أرض الميعاد كان الملك هو من يتحمّل مهمّة رعاية قطيع الربّ، مثل داوود، الراعي الذي اختاره الله وهو صورة عن المسيح (راجع سفر صموئيل الثاني 5،1-2؛ 7، 8 ؛ المزمور 78، 70-72). ثمّ، بعد سبي بابل، بنوعٍ من الخروج الجديد (راجع أشعيا 40، 3-5. 9-11؛ 43، 16-21)، يُعاد إسرائيل إلى وطنه كخروف ضلّ فوُجِد، واقتاده الله إلى مراعٍ خصيبة وأماكن راحة (راجع حزقيال 34، 11-16. 23-31). لكنّ كلّ قوّة استدعاء مزمورنا تصل إلى اكتمالها في الربّ يسوع، وتجد فيه معناها بالملء. فيسوع هو “الراعي الصالح” الذي يهمّ بالخروف الضالّ، والذي يعرف خرافه ويبذل نفسه من أجلها (راجع متّى 18، 12-14، لوقا 15،4-7 ، يوحنّا 10،2- 4. 11-18)، وهو الطريق، طريق البِرّ الذي يقودنا الى الحياة (راجع يوحنّا 14، 6)، النور الذي ينير الوادي المظلم ويتغلّب على جميع مخاوفنا (يوحنّا 1، 9 ؛ 8، 12 ؛ 9، 5 ؛ 12، 46). إنّه هو المضيف السخيّ الذي يستقبلنا ويضعنا في مأمن من الأعداء ويُعدّ لنا وليمة جسده ودمه (متّى 26، 26-29 ؛ مرقس 14،22-25 ؛ لوقا 22، 19-20) والوليمة النهائيّة المسيحانيّة في السماء (راجع لوقا 14، 15 وما يليها، ورؤيا يوحنّا 3، 20 ؛ 19، 9). هو الراعي الملك، ملكٌ في الوداعة والتسامح، متوَّجٌ على خشبة الصليب المجيدة (راجع يوحنّا 3، 13-15 ؛ 12، 32 ؛ 17، 4-5).

إخوتي وأخواتي الأعزّاء، يدعونا المزمور 23 لتجديد ثقتنا بالله، مستودعين أنفسنا كليًّا بين يديه. لنطلب إذًا بإيمان أن يمنحنا الربّ، حتّى في طرق زمننا الصعبة، أن نسير دائمًا على دروبه كقطيع وديع مطيع، حتّى يستقبلنا في منزله، وعلى مائدته، ويقودنا إلى «مياه الراحة» لكي نستطيع، في اقتبال هبة روحه القدّوس، أن نستقي من ينابيعه، ينابيع ماء حيّ «يتفجَّر حياةً أبديّة» (يوحنا 4،14؛ راجع 7، 37-39). وشكرًا.

 




Archive