Theme: African Christians

متى يُقرُّ المجتمعُ الدوليّ، بشكلٍ ملموسٍ، بعمل الكنيسةِ مِن أجْلِ أفريقيا؟

Alberto Piatti  10/11/2009

استطعتُ أن أُشارك كمُستمعِ في المجمعِ الكنسيّ المُقَدَّس (السينودس) المُخصَّص لأفريقيا. وكانت تلك السانِحة بمثابةِ خبرةَ لتوسيع آفاقِ مُهمَّتي كرئيسِ لمنظمةِ أڨسي Avsi وهي مُنَظَّمةٌ غير حُكُوميَّة ذاتُ صِبغَةٍ كاثوليكيّة تهتمُ بمشاريع تنمويّة وتنشط في خمس عشرة دولةٍ أفريقيّة وأربعين دولةٍ أُخرى في مختلفِ أنحاءِ العالم.
من خلالِ عَمَلِهِم المُكثَّف وتبادلهم للخبراتِ الحياتيَّة الملموسة وشهاداتهم الحيّة أظهر آباءُ السينودسِ ماهيّةَ الكنزِ الأفريقيّ الكبير، الذي نَلْحَظَه نحن أيضاً في عملنا اليوميّ في جوانب متعددةِ من أوجهِ نشاطِنا التعاونيّ، حيث نشعرُ عَنْ كَثََب بتوقِ الأفارقةِ إلى المعنى وإلى الروحانيّة. إنّهم جَوعَى إلى الله، ذلك الجوعُ الذي يبدو غائباً في أوروبّا العجوز المُتْخَمَة.
 

يتمتّعُ الإيمانُ بالله بكاملِ رَونَقِه في أفريقيا, لأنّه رَونَقُ ”أصيلُ“ يمرُ مِن خِلالِ اللقاء بشهودٍ ويسعى إلى حريّةِ كلِ فردِ.
يبدو الشبّان مُنجَذِبين إلى ذلك، كما لو أنّهم يدركون بحدسهم كم أنّ الإيمانَ، بصفته مَعرِفَةُ الواقعِ في حقيقَتِه العميقة وليس بالطبعِ كمجموعةِ قواعدَ أخلاقيةٍ أو بيئيّةٍ يَنْبَغي احترامها، يستطيعُ أن يُغيِّرَ طَريقةَ النظرِ إلى الحياةِ اليوميّةِ و أن يَقْلِبَ الحياةَ رأساً على عَقِبِ.
في تأملِه في الصلاةِ الصباحيةِ في أولِ أيامِ السينودس, ذكرَ قداسةُ البابا بندكتوس عبارةً قَدَّمَت لي مفتاحاً خاصاً لقراءةِ الأعمالِ التي انبثقت فيما بعد عن السينودس ولقراءة عمَلِنا كمُنَظَّمَةٍ غيرِ حُكُوميَّة أيضاً.
 

فقد أوضح قداسةُ البابا أنَّه إذا ما فَسَدَت العَلاقةُ بَيْنَ الخالقِ والخليقةِ؛ تفسِدُ بالضرورةِ سائرُ الأشياءِ أيضاً.
بمعنى أنّه إذا لم نُبقِ حياً ذلك الحِرَاكُ المُسْتَمِرُ، هذه العَلاقةُ بين الله وخلائقه، إذا لم نُبق الإيمانُ حياً كاسلوبِ معرفةٍ، في كلِ عملٍ ” من أجل الخير“، في كلِ عملٍ يهدفُ إلى التنمية؛ فإنّنا نغرس بذرة الثنائيّةِ dualismo والنسبيّةِ relativismo اللذان يُفَرّغان الأعمالَ ذاتَها من الداخلِ.
بإعادةِ قراءتي ذلك انطلاقًا من خبرتي في العملِ التعاوني، الخطرُ الذي أراهُ يلوحُ هو أنَّ أجندتَنا غالبًا ما تتطابق مع أجندةِ المُنَظَّمَاتِ الدوليّةِ، وأوّلها الأممُ المتحدةُ، التي تبدو أحياناً وكأنَّها معابدُ دينٍ عالميّ جديدٍ ، وأماكنُ حياديّة ونسبيّةٍ عمياء.
لقد أصبح إقصاءَ الإنسانِ عن خيرِهِ الأصيلِ هو غرضُ عملِ تلكَ المُنظَماتِ الأوّلُ، فيا لها من مُفَارَقة تبيُّنُ مدى نسبيّةِ هذه المنظّمات.
لذلك هناك ضرورتان ت تحتلان المقامِ الأوّل لمقاومةِ هذا الانحراف وهما: مسألةُ التنشئةِ ووعْيُ المجتمعِ الدوليّ بأهميّةِ العملِ الذي تُسهمُ به الكنيسةُ من أجل الخيرِ العام.
 

فيما يتعلّق بالضرورة الأولى، التنشئة: أُكَرَّرُ ما بادرَ بِه كثيرون بأنَّ التنشئةَ عاملٌ حَاسِم، وبأنّها المسألةُ التي تُعالَج في كلّ اللقاءات التي تَرسمُ فيها مشاريع تنمويّة في أفريقيا كما في غيرها، غير أنَّه لا يُمكِن اختزال المسألة واعتبارها شكليّة فقط. إنَّ المسألة الأهمَّ تتعلّق بمضمونِ تلك التربيةِ: ماذا يُعَلَّم في المدارسِ الكاثوليكيةِ أيضًا؟ وعلى أيّ أُسُس تُسَاعَد الأجيالِ القادمة على إنضاجِ ضميرها؟
أما بشأنِ الضرورةِ الثانيةِ فيَنْبَغِي العَمَلُ على التعريفِ بالرفعة المَدَنيّة والاجتماعيّة لخدماتِ الكنيسة واعتبارها تسهم في الخيرِ العام حسب مبدأ الدعم الـ sussidiarietà.
 

هاكم مَعلومَتَان فقط: تقدّمُ الكنيسةُ في أفريقيا التنشئةَ الأولى إلى خَمْسِين بالمَائةِ مِنَ تلاميذِ المدارسِ وتوفِّرُ خمْسينَ بالمائةِ مِنَ الخدمَاتِ الصِحِّيَة الأساسيَّة في العديدِ مِنَ البلدان؛ إلا أنَّ ذلك لا يُقَدَّر بشكلٍ كافٍ. يكفي هنا أن نَذْكُرَ بأنَّه في مُقابِلِ ذلك الحجمِ الضخمِ مِنَ الخدماتِ التى تُقَدّمها الكنيسة، يخصّص الصندوقُ الدوليّ الذي يكافح الأمراض الثلاثة الكبيرة للكنيسةِ ثلاثاً وستة أعشار بالمائة فقط مِنَ مجمل المواردِ التي يُدِيرُها ويوزّعها على المُنَظَماتِ المَعْنِيَة بهذا النوعِ مِنَ الخَدَمَاتِ Faith-Based Organizations.
لقد قام مجلسُ الأساقفةِ الأوغَنديّ بعَمَلٍ يستحقُ التقدير والإعجابَ في هذا الصَدَد، بَيدَ أنَّه يُمكِن ويَلْزَم عَمَلُ المَزيدَ والمَزيدَ.