إنّ العلاقةَ بين الحقيقة والحريّة بالنسبة للإنسان مسألةٌُ من المسائل المطروحة على بساط البحث بشكل دائم كونها غيرَ قابلةٍ للتحكّم بها ولا حلّها بواسطة مفاهيمَ بحتة؛ وقد أوحت مسيرة مجلّّة الواحة، التي قاربت هذا الموضوع مرّاتٍ عدّة خلال السنوات الماضية، بتخصيص تأمّل أوسع وأدقّ له. لكن الاهتمام المميَّز لمُعطيات الواقع، والذي يشكّل أسلوبًا لا غنى عنه لمجلّتنا، قادنا إلى إيثار مقاربةٍ للموضوع تضع في إطار أيّامنا هذه التأمّلَ حول التوجّه الداخليّ للحرّية صوب الحقيقة، وللحقيقة صوب الحرّية. وبالفعل، تجد هذه الأفكار أرضًا قيد الاختبار حاسمةً في المواضيع المحتدمة حول حرّيّة الانتقال إلى دين آخر، كتعبير أسمى عن الحرّيّة الدينيّة وحرّيّة الضمير.
صعوبتان متعارضتان
لقد لاحظنا خلال اجتماع لجنتنا العلميّة، الذي عُقد في عمّان من ٢١ إلى ٢٥ حزيران/يونيو ٢٠٠٨، أنّ الحريّة الدينيّة وحرّيّة الضمير وحريّة تغيير الدين تتعايش، من وجهة نظر المجتمعات الغربيّة، مع مفارقة. فهذه الحُريّات بالتأكيد تعترف بها النظم القانونيّة وتؤكّدها عقليّة عامّة. ومع ذلك، هناك مُعطيان يدّلان على هشاشة هذا الاعتراف. فمن جهة يُنظر إلى الضمير من منظور قد نسميه «إبداعيًّا» في معنًى متلبس (راجع «تألق الحقيقة»، ٥٤)، بينما ليست للضمير القدرة الفاعلة على تحديد ماهيّة الخير والشرّ من تلقاء نفسه. ومن جهة أخرى، يُنظر إلى هذه الحرّيّات عموماً على أنّها ميزة خاصّة بحتة للشخص: «شيء ما» يتعلّق بالمجال الخاصّ والشخصيّ، ولهذا لا يستطيع أن يدّعي حيازة أهمّيّة عامّة. يكمن الخطر في أنّ هذين التفسيرين للحرّيّة الدينيّة (ولحريّة الضمير) يُصبحان بلا مضمون حقيقيّ عند ممارستهما الفعليّة. في هذه الحالة، لا يتّم الإقرار بالبُعد الحقائقيّ المتلازم للخبرة الدينيّة، ولا بكون الخبرة الدينيّة تعبّر عن نفسها كدين، أي كواقع جماعيّ وشعبيّ.
والآن، إذا ما صوّبنا نظرنا إلى وضع البلدان ذات الأغلبيّة المسلمة، فإنّنا نجد أنفسنا قبالة موقف مختلف تمامًا. فالبُعد الحقائقيّ للخبرة الدينيّة، مثله مثل البُعد الشعبيّ، ينتمي إلى المورثات الجينيّة لهذه الشعوب، التي تُبدي تشبّثًا كبيرًا بتقاليدها. رغم ذلك لا يُمكن إنكار وجود قصور خطير في مجال الحرّية الدينيّة: وهنا نفكّر في القيود المفروضة على ممارسة العبادة في بعض البلدان، وفي مسألة مواطنة غير المسلمين في بلدان أخرى، وبالأخصّ في مسألة إمكانيّة تغيير الدين القاطعة. ففي بعض الحالات يبدو أنّه يُمكن تقبّل اختلاف من نشأ في دين آخر. لكنّ الحرّية الدينيّة تتحول إلى مطالبة لا تحتمل إذا كان طالبُ اعتناق دين آخر مسلماً. يُضيئُنا على المنطق الخفي المَخرَج الذي غالبًا ما يُفرض ضمنيًّا على هؤلاء الأشخاص: «إذا أردت التخلّي عن الإسلام فيجب عليك أن تغادر الوطن»، لتحاشي الفضيحة العامّة.
علاقة الحقيقة بالحرّيّة «قضيّة خطيرة»
تشير خطورة المسائل وأهميّتها الآنيّة المطروحة في المشهد القصير المختصر الذي قمنا باستعراضه كيف أنّ مسألة الحرّية الدينيّة َتمسّ قلب الإنسان. بدون شكّ، يشكّل بلوغ الأساس، أو الرغبة في إقامة علاقة معه بالأحرى، أحدَ أقوى الدوافع التي تحرّك قلب الإنسان.
كما يؤكّد القديس أغسطينوس حيث يقول: «ماذا ترغب النفس أكثر من الحقيقةَ؟» (1)، فمصير الإنسان هو الحقيقة، وهو يتّجه إليها كما لا تكفّ مختلف الديانات عن ذكره بشتّى الطرق، وكما يدعو إليه الإسلام بشكل ملحّ وإيجابيّ. ففي الإسلام تُلاحظ أهمّيّة علاقة الإنسان بالحقيقة لدرجة أن المستشرق الألمانيّ فرانس روزنتال استطاع أن يصف الحضارة العربيّة الإسلاميّة بكاملها انطلاقًا من مفهوم العلم والمعرفة (2).
وقد أدهشني، في هذا الصدد، أنّ كلمة واحدة في اللغة العربيّة: “حقَ” تعني في نفس الوقت «حقيقيّ» و«واقعيّ». كما أنّ نفس الكلمة (חק حُقّ) في لغة الكتاب المقدس العبريّة تشير إلى القانون أو التشريع (قرار، وصيّة). ما أَوسع الأفكارَ التي تتفتح ابتداءً من كثرة المعاني هذه الجذّابة. إنّ حياة البشريّة هي بالفعل عودة دائمة إلى التساؤلات الكبرى المتعلّقة بالحقيقة.
إلا أنّ المساواة بين «الحقيقيّ» و«الواقعيّ» التي يوحي بها معنى الكلمة في اللغة العربيّة، في حال اعتبارها من منظور عقلانيّ بحت، تُظهر خطرًا محتملاً، ألا وهو استنباط الحقيقة بصورة نظريّة على أنّها نظام كامل ومتّسق الشكل في أفكار عقلانيّة. في هذا الحال، يدّعي الضمير أنّه يُعطى المعنى للواقع، وبالتالي تكون الحقيقة «مجرّد نتيجة عملية ذهنيّة ذات سمة تمثيليّة». وهكذا يكون العمل «تنفيذًا لنموذج تمّت معرفته مسبقًا (3)».
من هنا تأتي، كبديل عمليّ لهذا التصرّف، حرفيّة الشريعة التي ترد في لقاء الشاب الغني الموصوف في الإنجيل. فهو «يدعي امتلاك الحرّيّة، قبل إتمام العمل، باعتبار أنّ معناها تمّ تحديده نهائيًّا في المفهوم القانونيّ» (4). تشكّل رؤية الحقيقة هذه، في نهاية الأمر، نوعًا من الغنوصيّة الصنميّة، لأنّ وراءها يختبئ ادّعاء الإنسان بامتلاك صورة الله الكاملة، وذلك بنظرته المحدودة. لكنّنا نقرأ في العدد السابع من مجلتنا: «سبحان مَن لم يجعل لخلقه سبيلاً إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته» (5). هذه الكلمات مقتبسة عن أبي بكر الصدّيق، أوّل الخلفاء الراشدين، يُقارنها كاتب المقال بعبارة القديس أغسطينوس: « إذا أدركته، فإنّه ليس الله»(6) . يستحيل ادّعاء امتلاك الحقيقة كأنّها شيء تحت تصرّفنا مثل باقي الأشياء، كما أنّه يستحيل مجرّد التفكير في هذا الأمر. ويعرف الإسلام والمسيحية على السواء سبب ذلك: فالحقيقة ليست مجموعة معطيات، بل إنّها واقعٌ حيّ وشخصيّ يقتضي دومًا الحريّة. ولا يُمكن حصر تجلّيها مسبقًا في قوالب ضيّقة هندسيّة بحتة.
بكلمات لأخرى، تشترط الحقيقة نفسها، المتسامية والمطلقة، أن يختارها الإنسان بحرّيّته. لقد أبرزتُ في معالجة سابقة لهذا الأمر: «إنّ الحقيقة تجبر الإنسان على القرار الحرّ، ليس فقط لأنّها تفتح له مجال التجاوب، بل لأنّها تقتضيه منه، لأنّ مصير الإنسان الأصليّ هو الحقيقة نفسها(7».
تنتج عن هذا بطريقة واضحة أهمّيّة التفكير المعاصر حول الحرّيّة، ليس فقط بالمعنى السياسيّ «حرّيّة الشعوب والأمم» ، بل أيضًا وقبل كلّ شيء بسبب علاقتها الداخليّة بالحقيقة. إنّ حقيقة الحرّيّة تلزم بحرّيّة التمسّك بالحقيقة. وإذا كان هذا ينطبق على تاريخنا الغربيّ، فهو قد ينطبق أيضًا على العالم العربيّ والإسلاميّ.
البُعد الجماعي
أشار قداسة البابا بينيدكتوس السادس عشر في خطابه الأخير أمام الأمم المتّحدة إلى أنّ: «الحقوق المتعلّقة بالدين بِحاجة أكثر من أي وقتٍ مضى لأن تتمّ حمايتها إذا ما اعتُبرت في نزاع مع الإيديولوجيا الدنيويّة السائدة أو مع مواقف غالبيّة دينيّة ذات طبيعة أحاديّة. ولا يُمكن تحديد الضمانة الكاملة لِلحريّة الدينيّة في الممارسة الحرّة لِلعبادة؛ على العكس، يجب أن يؤخذ بِعين الاعتبار جيدًا البُعد العامّ لِلدين وبالتالي إمكانيّة المؤمنين في أن يقوموا بِدورهم في بناء النظام الاجتماعي (7)» .
~ ~
تدفعنا كلمات الأب الأقدس إلى اعتبار البُعد الجماعي للحرّيّة الدينيّة. وهذا أمرٌ خطيرٌ من الناحية الموضوعيّة: بالفعل، ماذا يحدث لهويّة جماعة ما إذا ما بدأ عددٌ لا بأس به من الأشخاص في وضعها موضع نقاش، سواء لأنّها تنتمي إلى دين آخر أو لأنّها غيّرت دينها؟ ليس من الصعب إدراك كم قد يكون هذا الأمر سببًا للتوتّرات.
لا تهدف الكنيسة، كما يثبت تعليم كبار مستشرقيها في القرن الماضي، إلى تهديد أسس التعايش الاجتماعيّ في البلاد ذات الأغلبيّة الإسلاميّة. إنّها لا تريد أن تستقطب مؤمنين جُدد إلى إيمانها عن طريق الاقتناص الذي يقبّح الثقافات والديانات الأخرى. أكّد الأب الدومنيكي جورج قنواتي، وهو شخصيّة بارزة وفيلسوف ولاهوتّي مصريّ، في أواخر حياته: «إنّي لا أدرس الثقافة الإسلامية لهدمها. ولمَ هدمها؟ إنّها شيءٌ جميل في حدّ ذاته، ومن اللازم تقييمها (8)».
لكن احترام هوّيّة الجماعات لا يُمكن أن يصل إلى درجة الاعتداء على حرّية الأفراد. يجب أن نشهد بهذا بكلّ قوّة أمام إخوتنا المسلمين. بالطبع لا تعتبر الكنيسة الكاثوليكية الحرّيّة الدينية كحرّيّة اختيار المستهلك لما يحتاجه من «سوبر ماركت الأديان». ولكنّها تؤكّد على الحرّية الدينيّة كنتيجة لواجب الإنسان المُطلق الضروريّ في اعتناق الحقيقة، شرطَ أن يكونَ الاختيار واقعيا متماشيًا مع ضميره. وهذه الطاعة الملتزمة بالضمير هي التي تؤسّس للحرّيّة الدينيّة، التي لا تقتصر على إمكانيّة ممارسة الشعائر، بل تشمل أيضًا الحقّ بتبديل الدين. وهنا أيضًا نُضيف توضيحًا ضروريًّا: لا تعتبر الكنيسة بعملها هذا أنّ كلّ الاختيارات متساوية في هذا المجال. فالخطأ في حدّ ذاته لا حقوق له، بل الحقوق هي للشخص الذي يُخطئ بنيّة حسنة. لا أمام الله بل أمام الآخرين والمجتمع والدولة. فالله وحده هو الحكم في خيارات الشخص في هذه الحالة. وحده تعالى يعرف ما في قلب الإنسان وما هي الأسباب التي تدفعه إلى ترك دينٍ إلى آخر.
قد يمكننا أن نعترض فنقول إنّ الدولة، ورغم عدم قدرتها على ولوج قلب الإنسان، يهمّها على كلّ حال المحافظة على تماسك المجتمع. هناك وجهُ حقّ في هذه الملاحظة، لدرجة أنّ آباء المجمع الفاتيكانيّ الثاني قد اختاروا إضافة شرط إلى الإعلان حول الحرّيّة الدينيّة المتضمَّن في «كرامة الإنسان» يقول: «وما دامت هذه الجماعات لا تخرج عن فرائض النظام العام» (رقم ٤). على كلّ حال، وبعد هذا التحديد، لا يمكننا ألا نتساءل عما تجنيه الحقيقة من فائدة في إكراه أشخاص على البقاء في دين لم يعودوا مقتنعين به. أيضرّ الجماعة الدينيّة التخلّي العلنيّ أكثرَ ممّا يضرّها الإيمان المنافق؟ لقد أجاب أحد روّاد الإصلاح الإسلاميّ، الشيخ المصريّ محمد عبده (١٨٤٩-١٩٠٥) ، بالنفي، ودعا إلى التمييز بين فجر الإسلام – حيث برّرت في رأيه طبيعة الإسلام الجنينيّة استخدام الإكراه – وبين الفترات اللاحقة حيث لم تعُد هناك ضرورة لذلك.
أولويّة الشهادة
في طرحي هذه التساؤلات على القرّاء أودّ أن أختم مذكِّرًا بالتحليل المختصر (الذي أشرت إليه في بداية حديثي) حول الصعوبات المتعارضة التي يواجهها الغرب والعالم الإسلاميّ في تحديد مواضيع الحرّيّة الدينيّة وحرّيّة الضمير وحرّيّة تغيير الدين بصورة صحيحة. تشير هذه الصعوبات بوضوح إلى صعوبة التصديق اللازم على الحقيقة لأنّ الحرّيّة عليها أن تقرّر دائمًا، ومن جديد، موقفها في كلّ عمل من أعمالها.
كيف؟
من خلال طريق الشهادة الوعر، الشهادة المعرَّفة كموقف عمليّ ونظريّ في الوقت عينه لا مفرّ منه لأحد، وخصوصًا للمسيحي. فشهادة كهذه تدفعنا بالفعل إلى عرض ما نعتقد أنّه التفسير الثقافيّ الأصيل للإيمان المسيحيّ على محاورينا المسلمين. وهذا ممكن فقط في الالتزام المتبادَل.
(1) AGOSTINO, Tractatus in Io, 26, 5.
(2) Cfr. F. ROSENTHAL, Knowledge Triumphant, E. J. Brill, Leiden 1970.
(3) A. SCOLA, Gesù Cristo, religioni e testimonianza, in M. SERETTI (a cura di), L’attuale controversia sull’universalità di Gesù Cristo, Lateran University Press, Roma 2002, 5-13, qui 9.
(4) ID., La prospettiva teologica di Veritatis Splendor, in L. MELINA J. NORIEGA, Camminare nella luce. Prospettive della teologia morale a partire da Veritatis Splendor, Lateran University Press, Roma 2004, 65-81, qui 72.
(5) G. SCATTOLIN, Esplorando l’interiorità umana, in «Oasis» IV (2008) n. 7, 104.
(6) AGOSTINO, Sermo, 52, 16.
(7) Cfr. A. SCOLA - G. MARENGO - J. PRADES, La persona umana. Manuale di antropologia teologica, Jaca Book, Milano 2000, 55.
(8) بنديكتوس السادس عشر لقاء مع أعضاء الجمعيّة العامّة لِمنظّمة الأمم المتّحدة، نيويورك ، ١٨ نيسان/أبريل ٢٠٠٨.
(9) القاهرة، ١٩٩٨، ١٧٩, IDEO ،أبونا قنواتي: مشوار العمر،
Enlaces:
[1] http://www.oasiscenter.eu/es/node/2471
[2] http://www.oasiscenter.eu/es/node/6141