إخوتي وأخواتي الأعزّاء،
أودّ أن أحدّثكم هذا الصباح عن حركة رهبانيّة كانت لها أهميّة كبيرة في القرون الوسطى، كنتُ قد أشرتُ إليها سابقًا في تعاليم سابقة. إنّنا نتكلّم عن رهبانيّة كلوني، التي احتَوَت في بداية القرن الثاني عشر، حين بلغ انتشارها حدّه الأقصى، حوالي 1200 دير: وهو عددٌ مثير للدهشة! تأسَّسَ ديرٌ في كلوني عام 910، أي 1100 سنة بالضبط، ترأَّسَهُ الأباتي بيرنون، بعد الهِبَة التي قدّمها غليوم التقيّ، دوق أكيتانيا. في ذاك الوقت كانت الرهبنة الغربيّة، التي سبقَ أن ازدهرت قبل بضعة قرون مع القديس بينديكتس، قد أصابها شيءٌ من الانحطاط لأسباب عدّة: الأحوال السياسيّة والاجتماعيّة غير المستقرّة التي سبَّبَتها غزوات واجتياحات شعوب غير مُندمجة بالنسيج الأوروبيّ وانتشار الفقر وخاصةً تبعيّة الأديار لِلأسياد المحليّين، الذين كانوا يتحكّمون بِكلّ ما يخصّ الأراضي الواقعة تحت سيطرتهم. في هذا الإطار، مثَّلَ دير كلوني روح تجدّد عميق في الحياة الرهبانيّة، لِيقودها من جديد إلى وحيها الأصلي.
أُعيدَ الالتزام في كلوني بِقاعدة القديس بينديكتس مع بعض تعديلات أدخلها عليها مُصلحون آخرون. كان يجب على وجه الخصوص الحفاظ على دور الليتورجيا المركزيّ في الحياة المسيحيّة. وكرَّس الرهبان الكلونيّون أنفسهم بِمحبّة وعناية كبيرة لِلاحتفاء بالأزمنة الليتورجيّة، وأناشيد المزامير، والزياحات الوَرِعة والمُهيبة، وخاصةً الاحتفال بالقدّاس الإلهي. فشجَّعوا الموسيقى المقدّسة؛ وَأرادوا أن تُسهِم الهندسة والفنّ في جمال الشعائر الطقسيّة وجلالها؛ فَأغنَوا الروزنامة الليتورجيّة باحتفالات خاصّة، وعلى سبيل المِثال تذكار الموتى المؤمنين، في بداية تشرين الثاني/نوفمبر، الذي احتفلنا به نحن أيضًا قبل فترة قصيرة؛ كذلك نمّوا التعبُّد لِمريم العذراء. أعطى رهبان كلوني أهميّة كبيرة لِليتورجيا، لأنَّهم كانوا مُقتنعين بأنَّها مُشاركة في ليتورجيا السماء. شعرَ الرهبان بِأنّهم مسؤولون عن التشفُّع عن الأحياء والأموات لدى مذبح الله، لأنَّ الكثيرين من المؤمنين كانوا يطلبون منهم بِإلحاح أن يذكروهم في صلواتهم. ومن أجل هذا الهدف بالذات، أراد غليوم التقيّ تشييد دير كلوني. نقرأ في الوثيقة القديمة التي تُفيد بِتأسيسه: "أُقرّر بِموجب هذه الهبة بناءَ دير لِلرهبان في كلوني إكرامًا لِلقديسَين بطرس وبولس، يجتمع فيه رهبان يعيشون وفق قاعدة القديس بينديكتس (...) وأن يكون ملجأً مُكرَّمًا يتردَّد إليه من أراد الصلاة والنذور والتضرّعات، ومَن يبحَث ويتوق بِكلّ رغبة واتّقاد حميم إلى الحياة السماويّة، وأن يواظَب فيه على الصلوات والابتهالات والتضرّعات إلى الربّ". ولِصون وتنمية جوّ الصلاة هذا، ركزَّت القاعدة الكلونيّة على أهميّة الصمت، فَخضعَ الرهبان لِنظامها بِكلّ رضى، مُقتنعين بأنَّ طهارة الفضيلة، التي كانوا يطمحون إليها، تتطلَّب اختلاءًا عيمقًا مُستمرًّا. لا نَندهِشَنَّ إذًا إن غمرت شهرة القداسة دير كلوني باكرًا، وإن قرَّرت جماعات رهبانيّة أُخرى كثيرة أن تَتَّبِع عاداته. هذا وقد طلبَ الكثيرون من الأمراء والبابَوات من رؤساء دير كلوني أن ينشروا إصلاحهم، فَانتشرت في وقتٍ قصير شبكة كثيفة من الأديرة المُرتبطة بِدير كلوني إمّا بواسطة روابط قانونيّة فعليّة أو بِنوعٍ من البنّوة الروحيّة. فبدأت تظهر ملامح أوروبا الروحيّة في مختلف مناطق فرنسا وفي إيطاليا وإسبانيا وألمانيا وهنغاريا.
ضمنَت الروحانيّة العالية التي كانت تنمو في كلوني نجاح هذا الدير، وساعدت كذلك ظروفٌ أُخرى على تطوّره. وبِعكس ما كان يحدث حتّى ذاك الوقت، تمّ الاعتراف بِإعفاء دير كلوني والجماعات المرتبطة به من سلطة الأساقفة المحليّين وخضوعهم مُباشرةً لِبابا روما. خلقَ هذا الأمر ارتباطًا مميَّزًا مع الكرسيّ الرسوليّ، وانتشرت بسرعة، بِفضل حماية وتشجيع البابَوات، مُثُل الطهارة والإخلاص اللذان اتّبعهما الإصلاح الكلوني. علاوة على ذلك، كان انتخاب رؤساء هذه الأديار يجري من دون أيّ تدخّل من قِبَل السلطات المدنيّة، على عكس ما كان يحصل في أماكن أُخرى. فتوالى أشخاص جَديرون على رئاسة دير كلوني والجماعات الديريّة الكثيرة المُرتبطة به، مثل أودون أباتي دير كلوني، الذي تكلّمت عنه في تعليمٍ قبل شهرين، وشخصيّات كبيرة أُخرى، كَإيمار ومايول وأوديلون وخاصةً أوغو الكبير، الذين مارسوا خدمتهم لِفترات طويلة، مُحافظين على ثَبات الإصلاح وانتشاره أيضًا. إضافةً إلى أودون، تُكرِّم الكنيسة القدّيسين مايول وأوديلون وأوغو.
لم تكن لإصلاح كلوني تأثيرات إيجابيّة في تنقية وإعادة إحياء الحياة الديريّة فحسب، بل أيضًا في حياة الكنيسة الجامعة. فقد شكَّلَ التطلُّع إلى الكمال الإنجيليّ حافِزًا لِمحاربة شرَّين خطيرين أصابا الكنيسة في ذاك الزمن: السيمونيّة، أي حيازة مناصب راعويّة مقابل المال، وانعدام أخلاق الإكليروس العاديّين. كان رؤساء أديار كلوني، بفضل هيبتهم الروحيّة، والرهبان الذين أصبحوا أساقفة، وبعضهم حتّى بابَوات، أبطال هذا العمل الضخم في التجدّد الروحي. فَفاضَت الثمار: أُعيد الاعتبار لتبتُّل الكهنة وعَيشه، وأُدخِلت إجراءات أكثر شفافية لِتَبَوُّء المراكز الكنسيّة.
استفاد المجتمع كثيرًا من الأديار المُتأثِّرة بِالإصلاح الكلوني. إذ زاولت بِاندفاع أعمال الرحمة في حقبةٍ كانت فيها وحدها المؤسّسات الكنسيّة تُعنى بالمُعوزين. وفي كلّ الأديرة، كان مسؤولٌ يهتمّ باستضافة العابِرين والحجّاج المُحتاجين، والكهنة والرهبان المُسافرين، وخاصةً الفقراء الذين كانوا يأتون طلبًا الغذاء والملجأ لِبضعة أيّام. شجَّعَ كلوني أيضًا إقامة مؤسّستَين نموذجيَّتَين في حضارة القرون الوسطى: هي المدعوّة بِـ "هدنات الله" و"سلام الله". ففي حقبة تميَّزَت بِالعنف وروح الثأر، تأمَّنَت بواسطة "هدنات الله" فترات طويلة خالية من الأعمال الحربيّة، بِمناسبة الأعياد الدينيّة وبعض أيّام الأسبوع. وكان يُطلَب عبرَ "سلام الله" احترام العُزَّل والأماكن المقدّسة، تحت طائلة عقوبة القانون الكنسي.
نَمَت هكذا في ضمير شعوب أوروبا المسيرة العسيرة التي أدّت إلى الاعتراف، بِشكلٍ أوضح، بِعنصرين أساسيّين لِبناء المجتمع، ألا وهما قيمة الشخص البشريّ وخير السلام الأساسيّ. إضافةً إلى ذلك، وعلى غِرار المؤسّسات الديريّة الأخرى، كانت لِلأديار الكلونيّة أملاكٌ واسعة، عُمِلَت بِحِكمة كي تعود بِالمنفعة على المجتمع، فَساهمت هكذا في نموّ الاقتصاد. وإلى جانب الأعمال اليدويّة، كانت هناك أيضًا بعض الأعمال الثقافيّة الديريّة العاديّة في العصور الوسطى، كَمدارس الأطفال، وتجهيز المكتبات، ودور نسخ الكُتُب scriptoria.
بِهذه الطريقة، وقبل ألف عام، في خضمّ مسيرة تشكيل الهويّة الأوروبيّة، أتت خبرة كلوني المنتشرة في مناطق واسعة من القارة الأوروبيّة بمُساهمةٍ مهمّة وقيّمة. فقد ذكَّرَت بِأولويّة خيرات الروحانيّة؛ وأيقَظت الميل إلى الأمور الإلهيّة؛ وأوحت وشجَّعت على مبادرات ومؤسّسات لِتنمية القِيَم الإنسانيّة؛ وربَّت على روح السلام. إخوتي وأخواتي الأعزّاء، لِنُصلِّ كي يعرفَ كلُّ مَن يهتمّ بِإنسانيّةٍ أصيلة ومُستقبل أوروبا كيف يكتشِف إرث هذه القرون الثقافيّ والدينيّ الغنيّ ويُقدِّرَه حقَّ قدره ويُدافعَ عنه.