لم نحن بحاجة إلى الشهادة. بنية الوحي المسيحي وأسلوب الحوار الديني , «Oasis» العدد السابع (2008)

ثلاثُ طبيعاتٍ وتعدّديةُ ثقافاتٍ

 

إنّ التاريخ عامةً وتاريخ الأديان بخاصةٍ مليء بالأمثلة عن مجتمعات أخضعتها شعوب ذات ثقافة أقلّ تطوراً، غير أنّ هذه المجتمعات – بسبب ثقافتها وحضارتها الأكثر رقيًّا بالضبط – سرعان ما دمجت الفاتحين ومناهجهم الفكريّة في حياتها واستوعبتها. يكفي التذكير بمثال المغول في إيران والهند، والهون في الصين أو الوَندال أو السكسون في أوروبا. من هذا المنظور يشكّل الإسلام استثناءً شدّد البحّاثة على خصوصيّته. فالجيوش الإسلامية، التي نشأت عن ثقافة قبليّة وعن بيئة بدويّة تحضّرت إلى حدٍّ ما، استطاعت أن تفتتح بسرعةٍ صاعقة إمبراطوريتين كانتا تُعتبران من بين أرقى الثقافات في ذلك العهد، الإمبراطورية الساسانيّة الإيرانيّة والإمبراطوريّة البيزنطيّة ، فأخضعت بلدانًا ذات حضارة عريقة جدًا، مثل سوريا والعراق وبلاد فارس أو أيضاً آسيا الوسطى والقوقاز (جبل القبق). صحيح أنّ البلدان التي تم ّ فتحها قد استغرقت – كما يبدو في معظم الأحيان – قروناً عديدة لتعتنق الإسلام، ولكن من الصحيح أيضًا أنّ الإسلام، دينَ عرب قبائل مكّة والمدينة، لم تستوعبه الثقافات العالية التي كان قد فتحها، بل طبعها بطابعه الخاص القويّ على الصعيد اللغويّ، وعَرَّبَ عدداً لا يُستهان به من البلدان التي أخضعها له. لماذا؟ لا شكّ أنّ الظاهرة معقّدة وقد تمّت دراستها بإسهاب، وهناك نظريّات عديدة تحاول تفسيرها. طبعاً، لن نناقش ذلك بالتفصيل، غير أنّ الأمر الأكيد هو أنّه إذا كان الإسلام قد استطاع أن يؤثّر في تلك الشعوب العريقة الحضارة وأن يتكيّف مع ثقافتها فقد حصل ذلك لأنّ الإسلام – بالاتجاه المعاكس – قد تأثّر هو أيضًا بهذه الثقافات في تكوّنه وتطوّره. وفي الواقع، إنّ ما يسهّل التثاقف هو تداول التأثيرات في كلا الاتجاهين. ولا شكّ أبداً في أنّ عاملاً هامًّا لتداول التأثيرات هو التعدّدية والتنوّع اللذان يميّزان ديناً في مراحل تكوّنه وتطوّره. فالتأثير المتبادل والتعدّدية مترابطان ترابطاً وثيقاً: فبدون أحدهما يكاد يكون الآخر في حكم العدم. تؤدّي هذه المسلًّمة، قبل كل شيء، إلى بداهةٍ يجدر التذكير بها اليوم أكثر منه في أيّ وقت مضى ويجدر تذكير المسلمين أنفسهم بها أكثر من سواهم: التنوّع الأقصى في الإسلام.

وفي الواقع، ليس الإسلام واحدًا، ليس كتلة واحدة، ولم يكن أبدًا كذلك. هذا التنوّع مختلف الوجوه – كما هي الحال بالنسبة إلى جميع الأديان «الكبرى» (صفة الكبرى لا تنطوي على أيّ تقييم نوعيّ. أعني بهذه اللفظة البعد الكمّي و/أو الدور الذي تلعبه هذه الأديان في تطوّر تاريخ البشريّة في مجملها). إذن، التعدّدية هي تعدّدية تاريخيّة بالدرجة الأولى، ويمكننا القول، من هذه الناحية، أنّ هنالك ثلاثة أنواع من الإسلام. أوّلاً، إسلام النشأة، أي إسلام النبي محمّد (توفّي في عام 632م)؛ ونحن، موضوعيًّا، نعرفه معرفة محدودة طالما أنّ ما نعلم عنه يكاد يأتي في جملته من التصوّرات التي كان المؤلّفون المسلمون يحاولون أن يقدّموها عنه، والذين كان أقدمهم يكتبون في معظمهم بعد مضيّ قرن ونصف أو قرنين تقريباً على الوقائع. كان السياق الذي كان هؤلاء الأدباء يكتبون فيه مختلفًا اختلافًا كلّيًّا عن السياق الذي شهد نشأة دين النبيّ العربيّ. إنّ الحروب الأهليّة المتواصلة والفتوحاتِ الكبرى وتكوّنَ إمبراطورية شاسعة والانقساماتِ السياسيّة والدينيّة التي لا تُحصى والتكوّنَ التدريجيّ لرأيٍ قويم يميّز الجماعة الإسلاميّة أمورٌ كانت قد أثّرت بالضرورة في النفوس وحدّدت الصور التي كان يُراد إعطاؤها عن الماضي من أجل تبرير الحاضر وتهيئة المستقبل. بعد أكثر من قرن من الأبحاث في فقه اللغة التاريخيّ، يعرف المستعربون والمتخصّصون في العلوم الإسلامية أنّ فهم لغة القرآن قد تغيّر هو أيضًا. فالبنية الأصليّة للوحي المحمّدي القبَلي، العربيّ، أو بدقّةٍ أكثر، الحجازيّ – الخاص بمنطقتي مكّة والمدينة المصبوغتين بمعتقدات تقليديّة، ولكن أيضًا بمعتقدات أديان الشرقَين الأوسط والأدنى القديمة الموجودة في شبه الجزيرة العربية، كاليهوديّة والمسيحيّة والمانويّة بنوع خاص – كانت بنيةً تشكّل عالَمًا سقط أو يجب إسقاطه في النسيان بالنسبة إلى جماعةٍ باتت مكوَّنة في معظمها من غير عرب هم أبناء مجتمعات غير قبليّة. وكان يقود تلك الجماعةَ قادةٌ يحاولون أن يبيّنوا، أحياناً بطريقة عدوانيّة، الاستقلالَ الذاتيّ للدين الجديد، وبسرعةٍ، تفوّقَه على الأديان السابقة. على الرغم من جميع الجهود السياسية، ظلّت الأديان السابقة حيّة في العقيدة والطقوس والمؤسّسات الإسلامية. هذا الأمر يصحّ بالنسبة إلى المسيحيّة والمزديّة والزرداشتيّة، وطبعًا، اليهوديّة، ولكنّه يصلح أيضًا بالنسبة إلى دينٍ يكاد يكون منسيًّا اليوم، أي المانَويّة التي يبدو أنّ الإسلام قد ورث عنها أربعة من «أركانه» الخمسة، أي شهادة الإيمان، والصلوات الشرعيّة اليوميّة الخمس، والزكاة، وشهر صوم في السنة يبدأ عند شروق الشمس وينتهي عند غروبها. ومن الضروريّ التذكير أيضًا بأن صفة «خاتم الأنبياء»، التي تدلّ – كما يعرف الجميع – إلى نبيّ الإسلام، كانت صفة يحملها ماني.

 

صياغة الشريعة

ثمّ هنالك إسلام رجال الدين، المختصّصين والمكلّفين بإدارة الشأن الدينيّ، وصيّاغي الشريعة. هم الذين، وبعد أن تحالفوا مع التجار القدامى الذين أصبحوا محاربين وفاتحين، أدركوا بحقٍّ الحاجة الملحّة إلى وضع قوانين للأراضي الشاسعة التي تمّ فتحها وللثروات الهائلة التي تمّ اكتسابها، وللشعوب العديدة التي تمّ إخضاعها. في هذه الحال أيضًا، شكّلت الحروب الأهليّة الدامية والفتوحات عوامل حاسمة في النتيجة. إنّ معالجة أحكام الجهاد، وتحديدَ حدود الإيمان والكفر، والرغبة في جعل اللغة العربيّة اللغةَ الإدارية من أجل الكفّ عن تبعيّة الموظَّفين البيزنطيّين والفرس، وصياغةَ القواعد المتعلّقة بـ «أهل الكتاب»، ولاسيّما اليهود والمسيحيّين، الذين أصبحوا «أهل الذمّة»، من أجل التشديد على استقلال الإسلام وانتصاره، وتحديدَ مختلف الضرائب والرسوم ذات الطبع الدينيّ، ولاسيّما الجزية والخراج، أو أيضًا تحريرَ الكتابات النهائي، المميَّزة بين قرآن وسنّة أو حديث شريف، تطلّعًا إلى تكوين رأي أو ممارسة قويمة خاصّة بأكثرية الجماعة الإسلاميّة، كل هذا يميّز المراحل الأولى من صعود علماء الشريعة البطيء إلى الحكم ، منذ العصر الأموي (661 – 750م). هذا الإسلام، الذي يجتذب الجماهير، كان يعتبر نفسه مكتفياً بذاته: بعد أن رضي عن نفسه، كان يريد أن يبقى مقفَلاً، لأنه أرفع من أيّة ثقافة. مع ذلك، هناك من ينسى أنّ الشريعة الإسلامية التي تكوّنت في القرنين الأوّلين للهجرة، هي في غالب الأحيان غير قرآنيّة وهي أيضًا مضادّة للقرآن أحيانًا. فلنفكّر مثلاً برجم المرأة الزانية الذي لا يستند إلى أيّ أساس قرآنيّ أو ببضع قواعد تنظّم الإرث أو الطلاق والتي ليست البياناتُ القرآنية فيها إلا جنينيّة.

أخيرًا، يمكن الكلام عن إسلام خاصّ بغير رجال الدين: إسلام المؤرّخين والشعراء وعلماء الجغرافيا والأدباء والفلاسفة والصوفيّين والأطبّاء والعلماء وفقهاء اللغة والصرف والنحو، والفنّانين والمهندسين المعماريّين... كثيرون منهم كانوا أيضًا فقهاء وعلماء شريعة ومفسّرين أو قضاة. مع ذلك، فإنّ هؤلاء الأشخاص، الذين أتوا في معظم الأحيان من صفوف الشعوب المفتَتحة، قد عبّروا عن إسلام منفتح، فضولي، ساعٍ إلى المعرفة والجديد والتأقْلُم والاستيعاب. وكان المكتشفون والمترجمون والمعلِّقون وناقلو الثقافات القديمة – اليونانيّة الإسكندريّة، والسريانية البيزنطيّة، والفارسيّة، والهنديّة – كانوا هم أساسًا الذين جعلوا من الإسلام ثقافةً وحضارة من أبرز الثقافات والحضارات في تاريخ البشريّة، وبخاصة في القرنين التاسع والعاشر، أي في تلك الفترة المسمّاة بالعصر الذهبي للخلافة العبّاسية. وذلك في غالب الأحيان من خلال أعمال تفسيريّة دفعوا من أجلها أحيانًا ثمنًا غاليًا جدًّا. إذ كان لهم الفضل في تبنّي عوامل أساسيّة من تراث البشرية الفكريّ والروحيّ وتأقلُمها في الإسلام علنًا أو سرًّا، وفي نقلها لاحقًا إلى من أتوا بعدهم، ولاسيّما إلى الغرب: كالعلم والفلسفة الإغريقيّة وقصص الحكمة الهندية والأخلاقيات الإيرانيّة والميتافيزيقيّة المَزدِيّة والروحانيّة المانَويّة ومذهبها الباطني الخ.

 

تعدّد ثقافي

تبيّن هذه النقطة تعدّديات أخرى من النوع الثقافيّ والإثنيّ والجغرافيّ؛ وفي الواقع، ليس الإسلام دينًا فحسب، بل أيضًا حضارة شكّلت، في غناها وتنوّعها، منذ قرون عديدة، أساسًا لثقافاتٍ متنوّعة لكلٍّ منها تاريخها، وقد جرت عادة تسميتها بالمفرد الحضارة الإسلاميّة. ولكن، كيف يمكن استعمال صيغة المفرد عندما يتناول الخطاب أراضٍ تمتدّ من المغرب إلى إندونيسيا، مروراً بإفريقيا السمراء والبلقان وآسيا الوسطى أو جزر المحيط الهنديّ؟ ولنذكر أيضًا بضعة معطيات بيّنة تماماً: 15% فقط من المسلمين هم عرب أو ناطقون باللغة العربيّة. وأكبر بلدين إسلاميّين هما نيجيريا وإندونيسيا. أما بلدان القارّة الهنديّة وهي الهند والباكستان وبنغلادش فتكاد تعدّ لوحدها حوالي نصف السكان المسلمين في العالم. وباستثناء عدد محدود جدّاً من الممارسات والمعتقدات المشتركة، تختلف الأمور اختلافاً جذريّاً أحياناً بين ثقافة وأخرى. فإسلام موريتانيا مختلف جدّاً عن إسلام إيران، ومن الصعب على مسلمٍ ألباني أن يتعرف على نفسه في معتقدات مسلمٍ تركماني أو ملغاشي. وفي التشاد أو السنغال، تُكتب مقاطع من القرآن على أوراق وتغطَّس في الماء ثمّ تعطى للأطفال المرضى ليشربوها؛ وفي المملكة العربية السعودية يُلمس القرآن فقط من أجل تصفّحه أثناء القراءة، وذلك بالضرورة في حالة الطهارة. من هذا المنظور، فإنّ أنواع الإسلام هي بعدد الثقافات الموجودة بين المسلمين. بالإضافة إلى ذلك، يتكوّن المسلمون من أكثرية سنّية – حوالي أربعة أخماسهم – ومن أقليّة شيعيّة – حوالي الخمس – ومن عدد ضئيل جدًّا من الخوارج، الموجودين حاليًّا في شمال إفريقيا. ولكل من هذه العائلات تيّارات فكريّة و طرق روحيّة ومذاهب فقهيّة عديدة.

إنّ تنوّع وغنى الأديان «الكبرى» ناتج أساساً وبشكل رئيسي عن هذا التنوّع المرتبط بلعبة التأثيرات السياسيّة. إذ ليس من قبيل الصدفة، إذن، أن يكون التنكّر للتعدّدية يعتمد على التعلّق بالحَرْف، وهو الأساس الفكري لجميع الأصوليّات. فالحَرْفيّة تحوّل ديناً ونصوصه وأفكاره إلى حَرْفيّتها، أي إلى السطح القابل للإدراك مباشرة من قبل العقل، هذه القدرة المرتبطة بدورها مباشرة باللغة. إنّ الحَرْفيّة مناقضة، قبل كل شيء، لفكرة التفسير، هذا النظام المعرفيّ الذي بحسبه لا يُختَصر نصّ أو عقيدة أو واقع في بعده الظاهر وفي مظهره المنظور، بل يمكنه أن يتضمّن مستوى أو مستويات عديدة من المعنى، خفيّة إلى حدّ ما. يُحدَّد التفسير بالضبط بأنّه البحث عن المعنى الخفيّ أو عن المعاني الخفيّة وهو أساس النظم الأخرى مثل تأويل الكتب المقدّسة والفقه والتصوّف المطبَّقة على مصادر كتابيّة. وهكذا، فإنّ التفسير أساسيّ لبناء ثقافة تعدّدية ومنفتحة. والحَرْفيّة هي عدوّ لهذا النوع من الانفتاح. فهي تسعى إلى تغطية التعدديّة وإعدامها بحجّة المفهوم الجامع، إن لم نقل المفهوم التوتاليتاري، لـ «الوحدة». لسوء الحظ، هذه النزعة إلى الحَرْفيّة على الصعيد السياسيّ هي التي يبدو أنّها تنتشر في الإسلام. ولا تريد أن تسمع كلاما عن تنوّع الثقافات واللغات والمعتقدات في الإسلام ولا تريد أن تقبل إمكانية تفسير الإسلام وأديان أخرى وحضارات أخرى. وهي ممثَّلة منذ بضعة عقود بالأصوليّين الوهّابيين ومعاونيهم الطوعيّين وغير الطوعيّين الذين يُنكرون، بعنفٍ أحيانًا، تنوّع وتعدّدية الإسلام والمسلمين. لحسن الحظّ، إنّهم لا يزالون يشكّلون أقلّيّة واضحة على الصعيد السوسيولوجي. فباستثنائهم، عرف الأدباء والمؤمنون المسلمون العاديّون والبحّاثة دائماً أنّ هذه التعدّديات وهذه التأثيرات التي يروّجون لها تشكّل المبرّر الأساسي لثروات الإسلام التي لا تُحصى ولعوالمه الروحيّة والفكريّة.


 

Pour citer cet article

Mohammad-Ali Amir-Moezzi, ثلاثُ طبيعاتٍ وتعدّديةُ ثقافاتٍ , «Oasis» [en ligne], العدد السابع | مايو/أيّار 2008, en ligne le 05 juin 2009 consulté le 09 février 2012.
URL: http://www.oasiscenter.eu/node/2715