تأويل التقليد , «Oasis» العدد التاسع (2009)

سواء كان خيرًا أو شرّا، فـ «الخلد العجوز» يقوم بعمله

«أحسنت قولاً، أيها الخلد العجوز! أتعمَل بِهذه السرعة تحت الأرض؟ إنّك عامل مناجم شاطِر!» (1) . هكذا يقول هاملت لِشبح أبيه. «لقد عملت جيّدًا، أيها الخلد الشاطر!». هكذا يُترجم هيغيل في «دروس حولَ تاريخ الفلسفة»، مُشيرًا إلى عمل الروح «تحت الأرض» في التاريخ وقدرته على هَزّ «القشرة الأرضيّة» لِحاضرنا. لا َيبْعُدُ ماركس كثيرًا عن هذا في «الثامن عشر من شهر برومايو لويس بونابرت»، لمّا يُقلّد الثورةَ مهارةَ عامل المناجم الشكسبيري: «لقد حفرتَ جيّدًا، أيها الخلد العجوز!».

متغيّرات في موضوع التقليد. الفكرة واضحة: ماضينا ما ولّى أبدًا (لم يمُت ويُدفنْ قط)، كما نقول غالبًا، بل هو شيء روحيّ يعمل في داخلنا، ولو لم نتنبَّه له. ودون أن نُزعِجَ فرويد، كان هيغيل مُقتنعًا قبله بأنَّ التقليد ليس تتابُعًا محضًا لأحداث جَرَت (الـ hard facts كما يدعوها إدوارد شيلز  ، ولا شيئًا وَهْميًّا فقط، أي مُصْطنعًا بِشموليّته (كما هو، على سبيل المثال، في منظور هوبسباوم Hobsbawm الماركسي (3) . «ليس التقليد - يشرح هيغيل - ربّة منزل تعتني بِتفانٍ بِما تسلَّمتهُ كما لو كنّا نتكلّم عن تماثيل حجريّة صغيرة يجدر المحافظة عليها وتسليمها إلى الخلف». التقليد جسمٌ حيّ. لِهذا، يُتابع هيغيل، فهو «ينتفخ كَنهر هادِر ويتضخَّم أكثر كلّما ابتعد عن منبعه (4)».

ليس إذًا مجموعة تُحف، متسلسلة فحسب، الواحدة تلو الأخرى، وإن بنظام رائع و متغيّر؛ يجب أن يُعتَبَر التقليد كَرِباط، «سلسلة مقدّسة» (eine heilige Kette، طوقٌ مقدّسٌ يقول أيضًا هيغيل) يعقُدُ كلّ ما مضى، يولّد معنىً يُسائِل الحاضر واضِعًا المستقبل نصب عينيه. ولكن هذا يضعُنا مباشرةً أمام مشكلة. ففي الواقِع، إنَّ القول بأنَّ الماضي «المعقود» من قِبل التقليد هو بالضرورة مؤثِّر، أي أنّهُ يؤثِّر بِشكلٍ ما على حياة الأشخاص شيءٌ، وشيءٌ آخر هو الزعم بأنَّ «سلسلة» التقليد هذه لها معنى حتى أنّها– بالفِعل - «مقدّسة»، أي إنّها تصلح كَقانون إلهيّ لا جِدال فيه. ينطوي هذا الزعم الخاصّ بالمذهب التاريخي، الذي - كما سوف نرى - يُكوِّن مقدِّمة «التقليديّة»، عند هيغيل على نتيجة لا يُستهان بها: نَعَم، التقليد نهرٌ هادِر يتضخَّم كلّما ابتعد عن منبعه، لكنّ هذا النهر يحتويه منبعه. ولكي نقولها دون مَجاز، لا جديدَ في التاريخ، لأنَّ معنى التقليد يصلح كَمعيار موضوعيّ لِلحقيقة، ثابتٌ إلى الأبد، ويجب أن تتطابق معه كلّ الخِبرة التاريخيّة.

هنا تكمُن إذًا النقطة الحسّاسة: معنى التقليد - كما يُلاحظ روزميني ضدّ هيغيل - ليس الحقيقة المحضة والبسيطة. على أيّ حال، من يُمكنه أن ينكر أنَّ الخطأ أيضًا له تقليده، وبأنّه ينتقل من جيل إلى جيل؟ تنفتح إذًا ثلاث طرق تفكير في أمر التقليد:

1 . الثورويّة، وبِشكلٍ عام أكثر، الرفض «الكلّي» لِمعنى التقليد؛
2. التقليديّة، أي التماهي غير النقديّ بين معنى التقليد والحقيقة؛
3.انتقاد معنى التقليد.

 

1.في الشعور العامّ المُعاصر يُعاش التقليد في الغالِب كَثِقلٍ ونيرٍ يجب التخلُّص منه في أوّل فرصة ممكنة. ويبدو السبب الرئيسيّ لِهذا التمرُّد ضدّ الماضي متعلِّقًا بما دعاه هايديجير «الآليّة» (Machenschaft)، أي تفوّق التقنيّة كَالأفق الوحيد لمعنى الحياة. وبما أنَّ التقنيّة هي فقط إرادة سلطة، أي حريّة قرار غير مشروطة، فإنّه لَمن الواضح أنَّ التقنيّة لا تحتمل أيّ نوعٍ من القيود، لِدرجة أنّها تطالب، كما يقول هايديجير، بِـ «إنسانيّةٍ تهدِّم كلّ تقليد». يُميِّز هذا الوجه المُدمِّر كلّ إيديولوجيا ثوريّة، تقنيّةً كانت أو ذات طبيعة أخرى: خَلقُ إنسانٍ جديدٍ في أصله، شرطه الأساسيّ الأوّل هو أن يكون دون ذاكرة. نرى هذا جيّدًا في الثورة الفرنسيّة. يُراجع فولتير مفهومَ التقليد في كتابه «القاموس الفلسفي» تحت مادّة préjugés قاصِدًا بِهذا «الآراء المُسبقة» التي تُغرَس في ذهننا منذ الصغر. إلى هذا النوع تنتمي على وجه الخصوص التقاليد الدينيّة، التي يعتبرها فولتير دونما تمييز بينها خُرافات. نفهم بعدها لماذا يعتبر المؤلف الفرنسيّ«بؤساء» أولئك الذين لا يستطيعون، أو لا يريدون، استعمال العقل لِلتحرُّر من سلطة ماضينا المزعومة.

 

2. غالبًا ما تُولِّد ضغينةُ الثورويّةِ تجاه الماضي التقليديّةَ التي يُمكن فهمها، على الأقلّ بِهذا المعنى، كَتصرّف مُضادّ لِلثورة. و«سهرات بطرسبورغ» لِدوميتر (De Maistre)، على سبيل المِثال، هي مُواجهة واضحة (مُماثلة ومُتماثلة) لاستهزاء فولتير: فالتقاليد بالنسبة لدوميتر، هي «كلّها حقيقيّة» والخُرافة «ثمينة وغالبًا ما هي ضروريّة». يجب أن نؤسّس الخبرة ضدّ العقل، الذي يقود إلى الشكوكيّة، على سلطة التقليد الموضوعيّة. أنْ لا تُناقَش يضمنه اللهُ مباشرة، وخاصّةً في التقليديّة الدينيّة. ليس لِكلّ التقليديّات بالطبع المنشأ نفسه: فموقف De Maistre لا تُمكن بالطبع مطابقته مع مواقف غينون (Guénon) أو إيفولا (Evola)، رغم كونها تقليديّة. ولكن هناك منطق مُشترك يمكننا تعريفه - مع هيربرت ماركوز (Marcuse) - بالمُطلقيّة غير العقلانيّة لِلسلطة. كان روزميني قد وعِيَ هذا: لا يهمّ كثيرًا إن كان معيار الحقيقة ممنوحًا لِلسلطة الإلهيّة أو لِلسلطة الإنسانيّة؛ فالمسألة هي أن العقل هو- كما يقول - «مُخفَّض» تمامًا، أي فُقِدَ منه دوره. لِهذا يُقوِّي الرفض التقليديّ لِلعقل والرفض الثوريّ لِلسلطة بعضهما بعضًا.

 

3. كيف نخرج من الطريق المسدود المكوّن من الموقفَيْن الثوريّ/التقليديّ؟ في محاولة تفصيل «الفارِق» بين معنى التقليد والحقيقة. وهذا لا يعني التقليل من قيمة المدى الاختباري لِلتقليد. في هذه النقطة تصلح الاعتبارات النقديّة التي قامت بها كلٌّ من آنَّا آريندت (Hanna Arendt) وسيمون فيل (Simone Weil). فالاستِئصال، أي إنكار التقاليد، هو أخطر مَرَض لِلمجتمعات الإنسانيّة على الإطلاق، لأنّه لا يترُك خيارات إلاّ الخمول الذي يشبه الموت أو إرادة استئصال ما ليس مُستأصَلاً بَعد. هذا هو، في الحقيقة، ما يُسمّيه نيتشي بـ «العَدَمِيّة»، أي الانفصال، الانفصال عن «أرض الولادة» الذي يبدأ بالغربة وينتهي بالقلق. وهذا هو، بِشكلٍ مماثل، تذمّر بازوليني (Pasolini) حولَ «الجيل غير المحظوظ» لِسنة 1968، الذي أصغى بِسذاجة إلى من كان «يهزأ بِالتقليد».

ليست النقطة إذًا - كما نقرأ أيضًا في زرادشت – في «أن نُطرَد من كلّ أراضي آبائنا»، وإن كانت هذه الدعوة لِلثورة غير طائشة كليًّا، على الأقلّ إذا ما اعتبرناها عارضَ استياء تجاه التقليديّة الخانِقة؛ النقطة، كما يقترح – مثلاً - ريكور، هي في فهم التقليد بِشكلٍ لا يجعله يُجابِه العقل. ما يعني هذا؟ الاقتراح المُثير لِلاهتمام هو أن نفكّر في التقليد كـ «ميراث»: إنّه لَواضحٌ أنَّ الميراث ليس عُلبة مُقفلة تنتقل من يد إلى يد دون أن يفتحها أحد، بل هو كنزٌ نغرف منه ملءَ يدينا. وعمل الغَرف، بالنسبة لِريكور، هو عمل التفسير: مساحة مُمارسته يُظهرها بِالضبط الفارِقُ بين المعنى (الموروث) والحقيقة. وهكذا، دون العقل، الذي يُقوَّم بتفسيره معنى التقليد لِإخراج الحقيقة «من وِكرها»، سوف تكون لدينا التقليديّة؛ وعلى العكس، من دون معنى التقليديّة، يدور العقل - إن أمكننا القول - بدون جدوى، أو يتماهى والحقيقة كما يحدث في بعض الأوهام الثوريّة.

ولكن هناك مظهرًا لا يزال في الظِّل من الضروريّ توضيحُه: بِأيّ شروط يمكن أن تُقيَّم التقليديّة كَميراث؟ يُعبِّر عن هذا بِفعاليّة، ولو بِشكلٍ سلبيّ، رينيه شار (René Char): «إنَّ ميراثنا لا تسبقه أيّ وصيّة» [Notre héritage n’est précedé d’aucun testament - R. Char, Feuillets d’Hypnos, Paris 1946]. وتشرح آريندت انطلاقًا من قول شار المأثور مؤكّدة أنّ وضع وصيّة يعني أن نقوم بِخيار، أن نُعطي اسمًا، تأسيس حِلف. يمكننا إذًا بواسطة عمل واضحِ من أعمال الإرادة فقط أن نحوِّل ماضيًا عامًّا إلى ميراث. لذلك من الهامّ ملاحظة في حالة الوصيّة أنَّ الإرادة ليست، كما في الثورويّة، مُجرَّد إرادة سُلطة، بل – كما تكتب أيضًا آرندت - إرادة لِـ «الإشارة إلى حيث تكمن الكنوز وما هي قيمتها»، أي إرادة الرابط. لِهذا نحن أمام ماضٍ مُرسَل، مُوجَّه إلى أحدٍ ما.

في الإرسال، يتّخذ التقليد معنىً كَميراث تاريخيّ، أي إنّه يستعدُّ لِلمُساءلة « بِفعلٍ رجعيّ»، وبالتحديد انطلاقًا من ذاك الإرسال. بالتأكيد، ما يحاول الوريث فهمه هو كيفيّة التقدّم إلى الأمام، أيَّ مُستقبل يبنيه؛ ولكن لا يُمكنه أن يفعل هذا دون العودة إلى الوراء، إلى النيّة الأصليّة، إلى حقيقة ما وَرِثَهُ. يبدو هذا هو معنى الـ Rückfrage الذي يتكلّم عنه هوسِّرل (Husserl) في «أصل عِلم المساحة» والذي ترجمه ديرّيدا بِشكلٍ رائع في عبارة question en retour «مسألة عائدة» (5) . نجد موضوعًا مُماثلا لدى شارل بيغي (Charles Péguy)، حيثُ نقرأ أن لا تعارض بين الثورة والتقليد، طالما أنَّ التقدّم الأصيل هو دومًا “ressource” مَورِد، في شكلٍ من الأشكال، مَورِد بِالمعنى الحرفيّ لِـ resurgere أي البعث والقيامة. هكذا تعود الحقيقة التي كانت في الماضي إلى حاضر الوريث. ربّما يتحرّك بِهذا الاتّجاه هوفمنشتال (Hofmannsthal) أيضًا، عندما يُدخِل مفهومًا ذا مفارقة هو مفهوم «الثورة المُحافظة».

على أنّ فكرة الـ«مَورِد» هذه لا يجب أن تكون موضع التباس: إذ لا يتعلّق بترداد عقيم، ولا بمُجرَّد انتشار لِما ضمّ في مصدره ، كما هو الحال في الصورة الهيغيليّة لِلنهر الهادِر. باختصار، لا تُستنتج الحقيقة من الأصل (فهي نقطة تبقى غير مُدْرَكة مباشرةً)، بل «يُشهَد لها»، أي أنّها تصبح حاضرة من جديد، انطلاقًا من الميراث المُرسَل. وهذا ما يُبرِّر، ومن جديد، ضرورة التفسير: فبين الوصيّة والشهادة هناك الاختراع، في معناه المُزدوج لِلعثور على الشيء وابتكاره. بِخِلاف ذلك، نقع في مأزقَين نعرفهما جيّدًا. فإذا نُقِصَ الإرسال، يزعم الماضي بأنّّه يساوي حقيقةً لا يحدّها الزمن، أي بواسطة السلطة المُطلقة لأسطورة ما وليس بعدُ بِطريقة تفسيريّة/شهوديّة. هذه هي التقليديّة. أمّا إذا تمّ تجاهل الإرسال، فإنّ يفقد الماضي معناه بِكلّ بساطة. هذه هي الثورويّة.
يمكننا إذًا أن نصف مجدّداً طرق التفكير الثلاث حول التقليد:

1. الثوريّة-الإرادة في السلطة-العَدَميّة
2. التقليديّة- السلطة المُطلقة-الأسطورة
3. التقليد-الوصيّة-الإرث التاريخي

 

ما هو، عند هذا الحدّ بالذات، النطاق ذو المغزى في البحث الفلسفيّ الذي نجد فيه فِكرة النموذج الثالث هذه؟ إنّه دون أدنى شكّ، كما يسهل تخمينه، نطاقُ الفلسفة التأويليّة (L’herméneutique).

فما وراء الاختلافات، العميقة في بعض الأحيان، هناك عنصرٌ يُميِّز الحدس الأساسيّ لِلتأمّل التأويليّ: يمكننا القول، ودائمًا مع ريكور، إنَّ هذا المذهب يعترف بالشروط التاريخيّة التي يخضع لها كلّ مفهوم إنساني في نظام المحدوديّة البشريّة. هذا الاعتراف هو ما يؤسّس وظيفة التقليد المَعرِفيّة. وهذا ما يدعمه بِشكلٍ واضح هابرماس (Habermas)، حيثُ يؤكِّد أنَّ الفهم التأويليّ يتوجّه إلى «إطارِ معانٍ يجري تناقله»، أي بالضبط إلى مجموعة تقاليد موروثة. 

حلقة تأويليّة

إنَّ الحالة هي حالةٌ تأويليّةٌ أوّليّةٌ، كما يدعوها هابرماس، لا يُمكن أبدًا تخطّيها، بما أنّها تؤلِّف أفق الفهم نفسه. لا يعني هذا بالطبع أن نكون محكومين بالِدوران في حلقة مفرغة، لِهذا فإنّنا نعرف فقط ما هو مُتضمَّن سابقًا في ماضينا؛ إضافةً إلى أنّنا سنفقد إمكانيّة التواصل بين الأفراد، طالما أنَّ كلٍّ منّا، مبدئيًّا، سيكون أسير إطاره المُنفَرِد لِلمعاني المُتَناقَلة. إنّ فِكرة هابرماس، ومن قبله هايديغير، هي فِكرة «الحلقة التأويليّة»، التي ليست بالضبط مفرغة بما أنّه يُمكن التمييز بين مستوى المعرفة المُسبقة الضمنيّة لِلتقليد، التي تبقى شرطًا لا غنى عنه لِلفهم، وبين مستوى المعرفة الموضوعيّة، أي مستوى التحمّل النقديّ والتفسيريّ (الجزئيّ دومًا) لِلمعرفة المُسبقة التقليديّة. بِهذا المعنى، نفهم أيضًا لماذا يقدّر غادامر (Gadamer) الأحكام المُسبَقة التي كرهها جدًّا فولتير: لا حبًّا بالتقليديّة بالطبع، بل لأنَّه يعتقد أنَّ العقل الإنساني تُحدِّده دومًا المواقف التي نتّخذها عند انفتاحنا على العالم (Voreingenommenheiten). كلّ شيء يكمُن في أن نكون واعين لِهذا الأمر عند العمل التفسيري.

على أنّ هذا الوعي الجَليّ لِلعلاقة البنيويّة بين العقل والتقليد/السلطة لا يتبعه، على الأقلّ عند غادامِر، قلقٌ في تحديد المعايير لِلتقرير حول صلاحيّة التفسيرات المُقترحة. ولكن إذا لم نستطع أن نُحدِّد الفرق بين الفهم الأصيل وسوء الفهم (وكلاهما نتيجةٌ للتفسير)، يكون هناك خطرٌ مُزدوج:

أ. خطر رؤية ساذجة ومثاليّة لِلفهم الإنسانيّ، لِذا فالعلاقة بين الماضي (التقليد) والحاضر تُدرَك كَحوار مُنفتح دومًا، وشفّاف بالضرورة، كما لو لم يكن هنالك إمكانيّة سؤ الفهم؛

ب. خطر اختزال تفسير التقليد في لعبة ترجع دائما إلى نفسها ، لا يمكنها أبدًا أن تضع ِالحلقة التفسيريّة أمام مسألة الحقيقة؛ هذا هو - على سبيل المِثال - المُنحدر الذي أخذه فاتّيمو(Vattimo)، والذي ينبغي فيه علينا أن نستسلم لِفكرة أنَّ التقليد هي كمكتبة بابِل التي وصفها بورغس، وتشبه في كلّ شيء عمل إنترنيت النصّي: لم يعُد هنا إرسال، بل إرجاع بلا نهاية لِلحقيقة في شبكة مُراجعات لا تُختَتَم أبدًا في معناها.

فلنعُد هنا إلى ما أبرزه بدايةً روزميني: القول بأنَّ التقليد له معنى شيءٌ، وشيءٌ آخر أن نُحدِّد بأيّة شروط هو حقيقي. وهذا يفسّر لِماذا حاولوا بعض المؤلّفين كآبيل (Apel) وهابرماس أن يقترحوا - ليس بِالمُصادفة - تأويلا انتقاديًّا، في محاولة للأخذ بِعين الاعتبار ظواهِر إساءة تفسير معنى التقليد، ما يُعيق ممارسة تفسير الماضي الذي ورثناه. كلّ هذا في وعي بأنَّ الفهم الحقيقي لا وجود له دون توقّع طريقٍ نحو الحقيقة؛ ولا يُمكن التقدّم بِهذا الطريق دون التطلّع إلى الوراء، أي بدون ذاكرة: ولكن بِشرط ألاّ تكون هذه ذاكرة «عِلم آثار» صَرف، بل - كما يقول هابرماس - «موجَّهة نحو المستقبل». وهذا كان واضحًا جدًّا بالنسبة لِلقدّيس أغسطينوس:
ut prevideamus, non providentia nos instruit sed memoria
توقّع المستقبل لا يُعلِّمُنا إيّاه الحذر، بل الذاكرة (6) .

  

____________________________________________________________

(1) WILLIAM SHAKESPEARE,
هاملت، الفصل الأوّل، المشهد الخامس.

راجع (2), 

EDWARD SHILS, Tradition, Faber and Faber, London-Boston 1981, cap. IV.

راجع (3) 

ERIC J. HOBSBAWM – TERENCE RANGER (a cura di), L’invenzione della tradizione, tr. it. di E. Basaglia, Einaudi, Torino 1994.

مدخل إلى فلسفة التاريخ عند جورج هيغيل، المترجم أنطون حمصي، دار الفقيه (4).

راجع (5)  

JACQUES DERRIDA, Introduction à H. Husserl, L’origine de la géométrie, tr. fr. aux soins de J. Derrida, PUF, Paris 1962, p. 99.

أغسطينوس هيبونا (6)
حول الثالوث المقدّس، XV, 7, 13.
 

 

To quote this article

, سواء كان خيرًا أو شرّا، فـ «الخلد العجوز» يقوم بعمله , «Oasis» [on-line], العدد التاسع | تمّوز / يوليو 2009, on-line since 28 Septiembre 2009 visited on 09 Febrero 2012.
URL: http://www.oasiscenter.eu/node/4663