إخوتي وأخواتي الأعزّاء،
نوشك أن نعيش تلك الأيّام التي تحثّنا على التأمّل بأحداث فدائنا المهمّة وبصُلب إيماننا. فغدًا تبدأ ثلاثيّة الفصح المجيد التي تدور حولها السنة الليتورجيّة بأكملها والتي نحن مدعوّون فيها إلى الصمت والصلاة للتأمل بسرّ آلام الربّ وموته وقيامته.
يكرّرآباء الكنيسة الإشارة في عظاتهم إلى هذه الأيّام التي، كما لاحظ أثناسيوس في إحدى رسائله الفصحيّة، تُدخلنا “في هذا الزمان الذي يُعرّفنا على بدء جديد، يوم الفصح المقدّس، الذي قدّم فيه الربّ نفسه ذبيحة”.
لذا أحثّكم على عيش هذه الأيّام بحرارة كيما توجّه بشكلٍ حاسم حياةُ كلّ فرد نحو الالتزام السخيّ المقتنع بالمسيح الذي مات وقام من أجلنا.
يُمهّد صباحًا لخميس الأسرار قدّاسُ الميرون، الذي يجتمع فيه الأسقف صباح غدٍ مع كهنته. وخلال الذبيحة المقدّسة الجليلة، التي عادةً ما تجري في الكاتدرائيّات الأبرشيّة سوف يتمّ تبريك زيت المرضى وزيت المُقبلين على العِماد والميرون. ويجدَّد فيه الأسقف والكهنة نذور الكهنوت التي أبرزوها يوم سيامتهم. يكتسي هذا الفعل في هذه السنة قيمة خاصّة، كونه يأتي في إطار السنة الكهنوتيّة التي أطلقتُها لإحياء الذكرى الخمسين بعد المئة لوفاة القديس خوري مدينة أرس. أودّ أن أكرّر لجميع الكهنة التمنّي الذي ذكرته في ختام رسالة الدعوة: “على خطى القدّيس خوري آرس، دعوا المسيح يملأ حياتكم وتكونون أنتم أيضًا، في عالم اليوم، رسل رجاء ومصالحة وسلام!”.
سنحتفل بعد ظهر الغد بذكرى تأسيس سرّ الإفخارستيا. وقد ثبّت القدّيس بولس، في رسالته إلى أهل كورنثوس، المسيحيّين الأوائل في حقيقة سرّ الإفخارستيا، مسلّمًا إليهم ما كان قد تسلّمه هو: “أخذ الرّب يسوع في الليلة التي أُسلم فيها خبزًا وشكر، ثم كسره وقال: «هذا هو جسدي، إنّه من أجلكم .اصنعوا هذا لذكري». وصنع مثل ذلك على الكأس بعد العشاء وقال: «هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي. كلّما شربتم فاصنعوه لذكري»” (1 كور 11، 23 – 25). تعبّر هذه الكلمات بوضوح عن نيّة المسيح: فتحت أعراض الخبز والخمر، يكون الربّ حاضرًا بشكل حقيقيّ بجسده الموهوب ودمه المسفوك كذبيحة العهد الجديد. وفي القوت عينه يجعل يسوع من الرسل ومن خلفائهم خَدَمَة هذا السرّ، الذي يُوكله إلى الكنيسة كعلامة سامية عن محبّته.
ونذكر أيضًا، من خلال رتبة مؤثّرة، قيام يسوع بغسل أرجل رسله (راجع يو 13، 1-25). يمثّل هذا العمل، وفق الإنجيليّ، تجسيدًا لكلّ حياة يسوع ويكشف عن محبّته حتّى النهاية، محبّة هي لامتناهية، تسمح للإنسان بإرساء علاقة مع الله وتحرّره. وفي نهاية رتبة خميس الأسرار، تقوم الكنيسة بعرض القربان المقدّس في مكان مجهَّز لهذه الغاية ليمثّل وحدة الجتسماني، والجزع المميت الذي شعر به يسوع. وأمام القربان يتأمّل المؤمنون بيسوع في ساعة وحشته ويصلّون لكي تنتهي كل أشكال الوحدة في العالم. هذا المسير الليتورجيّ هو أيضًا دعوة لطلب لقاءٍ حميم بالربّ عن طريق الصلاة، وللتعرّف إلى يسوع في الأشخاص الوحيدين، وللسهر معه حتى نعرف كيف نعلنه نورًا لحياتنا.
وفي الجمعة العظيمة، نذكر آلام الربّ وموته. فيسوع أراد أن يهب حياته للتكفير عن خطايا البشريّة واختار لذلك الميتة الأقسى والأحقر: الصلب. هناك رابط بين العشاء الأخير وموت يسوع. ففي العشاء الأخير يهب يسوع جسده ودمه، أي وجوده الأرضيّ، وجوده هو نفسه، مستبقًا موته ومحوّلاً إيّاه إلى فعل حبّ. وبهذا الشكل يُصبح الموت، الذي هو بطبيعته نهاية كلّ علاقة، فعلَ هبة، ووسيلة خلاص وإعلان لانتصار الحبّ. وهكذا فإنّ يسوع مفتاحنا لفهم العشاء الأخير الذي هو استباق تحوُّل الموت العنيف إلى تضحية طوعيّة، إلى فعل حبّ يفدي العالم ويخلّصه.
أمّا السبت العظيم فيتميّز بالصمت الكبير. فالكنائس عارية، ولا تُقام ليتورجيّات معيّنة. وفي وقت الانتظار والرجاء هذا، تتمّ دعوة المؤمنين إلى الصلاة والتأمّل والتوبة، وأيضًا من خلال سرّ المصالحة (الاعتراف)، لكي يتمكّنوا من المشاركة، وهم متجدّدون بحميميّة، في الاحتفال بالفصح.
وفي ليل السبت، خلال الأمسية الفصحيّة الجليلة، التي هي “أمّ كلّ الأمسيات” يكسر الصمتَ ترنيمُ هللويا، الذي يبشّر بالقيامة ويُعلن انتصار النور على الظلمات، وانتصار الحياة على الموت. ستفرح الكنيسة بلقاء ربِّها، وتدخل يوم الفصح الذي يبدأه الربّ بقيامته من بين الأموات.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء، فلنعِش بحرارة هذه الثلاثيّة المقدّسة المُشْرفة كي نلج أعماق سرّ المسيح الذي مات وقام من أجلنا. فلتُرافقنا في هذه المسيرة الروحيّة العذراء الكليّة القداسة. ولتُدخلنا، هي التي تبعت يسوع في آلامه وحضرت عند أقدام الصليب، السرَّ الفصحيّ كي نختبر غبطة القائم من الموت وسلامه.
بهذه المشاعر، أتقدّم منكم جميعًا منذ الآن بتمنّياتي بفصح مبارك يشمل أيضًا جماعاتكم وكلّ أحبّائكم.

