Tema: I popoli dell'Islam

إحياءً لذكرى محمد أركون: "الإسلام والتوازن الصعب بين التقليد والتجديد"

Paolo Branca  29/09/2010

يدور في العالم الإسلامي، منذ زمن بعيد، نقاش حاد حول العلاقة بين التقليد والتجديد. في هذا النقاش تتّخذ مسألة العلاقات بين ثقافات مختلفة أهميّة خاصة. وبفعل الاحتكاك الوثيق بالحضارة الغربية وما ينجم عنها من آثار، انطلقت، في البلدان الإسلاميّة، عمليّة تحوّل على مختلف الصعد منذ ما لا يقل عن قرنين من الزمن. من الواضح أن مقارنة كهذه، مهما كانت مثيرةً، لا بدّ أن تولّد خللاً وتضع مسألة التوازن العادل الأساسيّة بين الانطلاقات الإبداعيّة من جهة وضرورة الحفاظ على ترابط متين مع الجذور من جهة أخرى. لكن مختلف الاقتراحات التي قُدّمت حتى الآن بُغية معالجة هذه الحالة لم تُثبت أنها تقوى على ذلك. بل أنّنا شهدنا استقطاباً بين موقفين متعارضين، لم يبدُ أي منهما ملائماً وقد يؤدي إلى نتائج عكسيّة. فهناك مَن يدعو صراحة إلى التحديث، متبنّياً موقف الغرب العلمانيّ والدنيوي وداعماً بشكل شبه صريح ضرورة التحرر من قواعد ومفاهيم التراث الإسلامي التقليدي.

حدود هذا الخيار هي أولاً أنه يؤدي إلى خسارة الهويّة وثانياً التماثل مع نمط خارجي يُعتبر مناهضاً بفعل العديد من الآثار السياسيّة الخطيرة. أما في الطرف المقابل فهناك من يؤيّد صحّة النهج الإسلامي ولا يعزو حالة انحطاط وتخلّف البلدان الإسلاميّة إلى عدم ملاءمة محتملة لهذا النهج الذي لا يحتاج إلى إصلاح، بل إلى تطبيقه بشكل متناسق. إن الخطر الذي يكمن في هذا الخيار الثاني هو أن نتصوّر عودة مستحيلة إلى الماضي، فضلاً عن أنها وهميّة، والذي لا يُستحضر لما كان عليه فعليّاً، بل وقد أعيد بناؤه إيديولوجيّاً تبعاً للحالة الراهنة. وقد أدّت النتائج السلبيّة لتجارب أخرى والحاجة الشائعة إلى ضمانة إلى اتساع رقعة هذا التوجّه الأخير تدريجيّاً داخل العالم الإسلامي منذ ما يقارب الـ 20 - 30 سنة الأخيرة. يشارك معظم المثقّفين المسلمين في النقاش الجاري فيقفوا إلى جانب هذا أو ذاك الخيار، بينما يصعب أن نجد مفكّرين يعرفون كيف يتناولوا الموضوع من وجهة نظر لا تختصر المسألة بقبول أو رفض الحداثة الغربيّة، ويقدّموا فرضيّات وساطة من شأنها أن تجيب في آن معاً على حاجتين متناقضتين ظاهريّاً، لكنّهما في الواقع متكاملتين: من جهة نجد الحاجة إلى تطوّر ذاتيّ حيث يُقبَل بإيجابيّة تحدّي الحداثة دون أن يقتصر الأمر على الخضوع لها بشكل تبعيّ، وفي الجهة الأخرى نجد الحاجة إلى البقاء أوفياء لنوعيّة الثقافة العربيّة، إنما ليس على أنها انطواء دفاعيّ على الذات، بل على أنها تراث لا يحتاج إلى المحافظة عليه فحسب، بل أيضاً إلى أن يعاد النظر فيه بشكل نقديّ، وأن يُغْنى ويُقيّم.

محمد أركون (1928 – 2010)، جزائريّ المولد و فرنسيّ بالتبني، كان واحداً من أبرز الذين يمثلون التيّار الأول. منذ أولى دراساته في جامعة السوربون، حيث علّم لاحقاً، صبّ جلّ اهتمامه على الأنَسيَّة العربيّة الإسلاميّة منطلقاً منها كي يصل إلى اقتراح إعادة تفكير حاسمة للفكر الإسلامي ولمَراجعه أيضاً على ضوء أحدث النظريات العلوميّة والأدوات التفسيريّة المعاصرة.

كانت ملاحظاته أساسيّة حول الفرق بين "الحدث" القرآني (يعني الإبلاغ الشفهي للوحي من قبل النبي محمّد لمعاصريه) والنَص الذي نتج عنه في النهاية، بما يشبه تبلّر سكونيّ لظاهرة ديناميّة من الأصل، إضافة إلى التمييز بين الـ "مفكَّر فيه" و "اللامُفكّر فيه" و "المستحيل التفكير فيه" في التراث التقليدي في الإسلام كما في كتاباته صيغة المعاصرة (المجدّدة ظاهريّا فقط). رغم أن العديد من مؤلّفاته قد تُرجم إلى العربيّة، فإن أثر إسهامه خارج حلقة المستشرقين قد بقي للأسف متواضعاً فضلاً عن أنه في مقابل الجهد الذي بذله للتفكيك وإزالة الوهم اتُّهم بالإذعان إلى الغرب وثقافته، وبخيانة جذوره علانية.

 



Articoli consigliati